(يَسْتَنْبِئُونَكَ) النبأ هو الخبر ذو الشأن، والسين والتاء للطلب وهي، هنا لطلب البيان، فالمعنى يستخبرونك عن النبأ العظيم وهو أن الناس يحيون بعد أن يموتوا، وتجمع أجسامهم بعد أن صارت رفاتا وعظاما، وقد أمر اللَّه تعالى أن يجيبهم بتأكيد الوقوع مقسما. فقال سبحانه: (قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ).
(إِي) معناها " نعم " إنه حق ثابت واقع لَا محالة، وقد قدر علماء البيان أن كلمة (إِي) التي تكون بمعنى نعم، لَا تكون إلا ومعها قسم، وقد قال النبي - ﷺ - كما أمره ربه: (وَرَبِّي) أي الذي خلقني فبرأني ورباني، وفيه إشارة إلى تقريب تحقق ذلك الأمر الذي عجبوا منه واستنكروه واستهزءوا به، والقسم عليه (إِنَّهُ لَحَقٌّ) أكد أنه حق بالجملة الاسمية وبـ " إنَّ " التي للتوكيد وباللام.
أكد القسم أنه في قدرة الله وفي إمكانه ولا يخرج عن قدرة القاهر لكل شيء فقال سبحاده: (وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) أي لستم معجزين لِلَّهِ تعالى عن إعادتكم وحسابكم على ما قدمتم وأخذ المجرم بما اكتسب وإعطاء المحسن ما استحق من ثواب، والاستفهام في (أَحَقٌّ هُوَ) حقيقي منهم لأنهم جاهلون باليوم الآخر غلبت عليهم الحياة الدنيا، وأنه قد يكون تعجبا واستغرابا واستنكارا، وتومئ إلى هذا صيغته (أَحَقٌّ هُوَ) وهو لعجبهم الذي بينه الله تعالى في قوله: (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ...).
قال ابن كثير: " لم يأمر الله تعالى نبيه - ﷺ - بإجابة المشركينِ بالقسم إلا في ثلاث مواضع هذه أولها. والثانية: في قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِين كَفَرُوا لَا تَأتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأتِيَنَّكُمْ...)، والثالثة: في قوله تعالى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧).
كان أمر الله بالقسم في هذا المقام ليزيل غرابتهم أولا، وليؤكده في ذات نفسه ثانيا، وليحملهم على الاستعداد له ثالثا.
(وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) فيه بيان للإمكان ثم التحقق، وكيد لإزالة الاستغراب، وهو نفي مستغرق للإعجاز، فالله تعالى خالق كل شيء لَا يعجزه شيء وهو على كل شيء قدير.
إن ما يكون في يوم الجزاء من عقاب للآثمين يساوي كل ما في الدنيا بحذافيرها من متاع، ولذا قال تعالى:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة