ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون( ٦٩ ) :
والحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم عن الإيمان وثمرته ونهايته يأتي بالفلاح كنتيجة لذلك الإيمان، فهو سبحانه القائل : قد أفلح من زكاها( (١) )( ٩ ) [ الشمس ]، وهو سبحانه القائل : قد أفلح المؤمنون( ١ ) [ المؤمنون ]، ويقول أيضا : أولئك هم المفلحون( ٢٥٧ ) [ الأعراف ] : وكلها من مادة " الفلاح " وهي مأخوذة من الأمر الحسي المتصل بحياة الكائن الحي، فمقومات وجود الكائن الحي : نفس، وماء، وطعام، والتنفس يأتي من الهواء الذي يحيط بالأرض، والماء ينزل من السماء أو يستنبط مما تسرب في باطن الأرض. والطعام يأتي من الأرض، وكل ما أصله من الأرض يستخرج بالفلاحة.
لذلك نقول : إن الفلاحة هي السبب الاستبقائي للحياة، فكما يفلح الإنسان الأرض، ويشقها ويبذر فيها البذور، ثم يرويها، ثم تنضج وتخرج الثمرة، ويقال : أفلح، أي : أنتجت زراعته نتاجا طيبا. وشاء الحق سبحانه أن يسمي الحصيلة الإيمانية الطيبة بالفلاح.
وبيَّن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدنيا مزروعة الآخرة، فإن كنت تريد ثمرة فابذل الجهد.
وإياك والظن أن الدين حينما يأخذ منك شيئا في الدنيا أنه ينقص ما عندك، لا، بل هو ينمّي لك ما عندك( (٢) ).
والمثل الذي أضربه دائما-ولله المثل الأعلى-نجد الفلاح حين يزرع فدانا بالقمح، فهو يأخذ من مخزنه إردبا ؛ ليستخدمه كبذور في الأرض، ولو كانت امرأته حمقاء لا تعرف أصول الزراعة ستقول له :" أنت أخذت من القمح، وكيف تترك عيالك وأنت تنقصهم من قوتهم ؟ "
هذه المرأة لا تعلم أنه أخذ إردبَّ القمح المخزَّن ؛ ليعود به بعد الحصاد عشرة أو خمسة عشر إردبًّا من القمح.
كذلك مطلوب الله سبحانه في الدنيا قد يبدو وكأنه ينقصك أشياء، لكنه يعطيك ثمار الآخرة ويزيدها.
إذن : فالفلاح مادة مأخوذة من فلح الأرض وشقها وزرعها لتأخذ الثمرة.
وكما أنك تأخذ حظك من الثمار على قدر حظك من التعب ومن العمل، فذلك أمر الآخرة وأمر الدنيا.
ومثال ذلك : الفلاح الذي يحرث الأرض، ويحمل للأرض السماد على المطية( (٣) )، ثم يستيقظ مبكرا في مواعيد الري، تجد هذا الفلاح في حالة من الانشراح والفرح في يوم الحصاد، وأمره يختلف عمن يهمل الأرض ويقضي الوقت على المقهى، ويسهر الليل أمام التليفزيون، ويأتي يوم الحصاد ليحزن على محصوله الذي لم يحسن زراعته.
وقول الحق سبحانه : إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون( (٤) )( ٦٩ ) [ يونس ] :
أي : هؤلاء الذي يقولون عن الله تعالى أو في الله تعالى بغير علم من الله، هم الذين لا يفلحون.
وأوضحت من قبل أن كل ما يتعلق بالله تعالى لا يعلم عنه إلا عن طريق الله. لكن ما الذي يحملهم على الافتراء ؟
نعم، إن كل حركة في الحياة لابد أن يكون الدافع إليها نفعا، وتختلف النظرة على النفع وما يترتب عليه، فالطالب الكسول المتسكع في الشوارع، الرافض للتعلم، نجده راسبا غير موفق في مستقبله، أما التلميذ الحريص على علومه، فهو من يحصل على المكانة اللائقة به في المجتمع، والتلميذ الأول كان محدود الأفق ولم ير امتداد النفع وضخامته، بل قصر النفع على لذة عاجلة مضحيا بخير آجل. والذي جعل هؤلاء يفترون على الله الكذب هو انهيار الذات، فكل ذات لها وجود ولها مكانة، فإذا ما انهارت المكانة، أحس الإنسان أنه بلا قيمة في مجتمعه.
والمثل الذي ضربته من قبل بحلاَّق الصحة في القرية، وكان يعالج الجميع، ثم تخرَّج أحد شباب القرية في كلية الطب وافتتح بها عيادة، فإن كان حلاق الصحة عاقلا، فهو يذهب إلى الطبيب ليعمل في عيادته ممرضا، أو ( تمرجيا )، أما إن أخذته العزة بالإثم، فهو يعاند ويكابر، ولكنه لن يقدر على دفع علم الطبيب.
وكذلك عصابة الكفر ورؤساء الضلال حينما يفاجأون بمقدم رسول من الله، فهم يظنون أنه سوف يأخذ السيادة( (٥) ) لنفسه، رغم أن أي رسول من رسل الله تعالى-عليه السلام-إنما يعطي السيادة لصاحبها، ألا وهو الحق الأعلى سبحانه.
وحين يأخذ منهم السيادة التي كانت تضمن لهم المكانة والوجاهة والشأن والعظمة، فهم يصابون بالانهيار العصبي، ويحاولون مقاومة الرسول دفاعا عن السلطة الزمنية.
ومثال ذلك : هو مقدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان البعض يعمل على تنصيب عبد الله بن أبَّى ليكون ملكا( (٦) ) ؛ ولذلك قاوم الرجل الإسلام، وحين لم يستطع آمن نفاقا، وظل على عدائه للإسلام، رغم أنه لو أحسن الإسلام واقترب من رسول الله صلى الله عليه وسلم لنال أضعاف ما كان سيأخذه لو صار ملكا.
وهكذا قادة الضلال وأئمة الكفر، هم مشفقون على أنفسهم وخائفون على السلطة الزمنية ؛ لأن الرسول حينما يجيء إنما يسوّي بين الناس ؛ لذلك يقفون ضد الدعوة حفاظا على السلطة الزمنية. ولذلك يقول الحق سبحانه عن سبب افترائهم الكذب :
متاع( (٧) ) في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون( ٧٠ ) :

١ زكاها: طهرها وبرأها من أقدار البدن والنفس..
٢ يقول الحق سبحانه:ما عندكم ينفد وما عند الله باق..(٩٦)[النحل] وقوله:وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم..(٦٠)[الأنفال] وقوله:من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها..(١٦٠)[الأنعام] وقوله:إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم..(١٧)[التغابن].
٣ الدابة، وهي الناقة التي يركب مطاها أي: ظهرها. وجمعها: مطايا.[لسان العرب: مادة (م ط ى)]..
٤ يفترون الكذب: يكذبون، أو يقولون بغير علم. لا يفلحون: لا يفوزون ولا ينتصرون. قال تعالى:وقد خاب من افترى(٦١)[طه]..
٥ وهذا مخالف لمنطق الرسول صلى الله عليه وسلم ومفهوم الدعوة، حيث عرض عليه الكفار المال والملك والسلطان والجاه، فاختار رب الكل، وقال قولته التي سجلها الزمن وحفظتها العقول الواعية:"والله ولو وضعوا الشمس في يميني والقمر في ساري على أن اترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته" أورده ابن هشام في السيرة النبوية(١/٢٦٦)..
٦ أورد ابن إسحاق في السيرة أن قوم عبد الله بن أبىَّ كانوا"قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملّكوه عليهم، فجاءهم الله برسوله وهم على ذلك، فلما انصرف قومه عنه إلى الإسلام ضغن ورأى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استلّبه ملكا، فلما رأى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارها مضرا على نفاق وضغن" سيرة ابن هشام (٢/٢١٦)..
٧ المتاع: التمتع، وهو كل ما ينتفع به ويرغب في اقتنائه، كالطعام، وأثاث البيت، والسلعة، والأداة، والمال [المعجم الوسيط] والمراد أن الله سبحانه وتعالى يترك الكفار يتمتعون بمتاع الدنيا الزائل-لأن الدنيا كلها لا تساوي عند الله سبحانه جناح بعوضة-ولكنه سيعاقبهم على كفرهم بالعذاب الشديد في الآخرة ويحرمهم من نعيم الجنة. ويقصد بالمتاع أيضا الزوجة الصالحة مصدقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة".
أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الرضاع-باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، حديث (٥٩) عن عبد الله بن عمرو، وعند أبي نعيم في حلية الأولياء (٣/٣١٠) زيادة "إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته"..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير