إن الذين لا يرجون لقاءَنا أي : لا يتوقعونه، أو : لا يخافون بأسه لإنكارهم البعث، وذهولهم بالمحسوسات عما وراءها، ورَضُوا بالحياة الدنيا : قنعوا بها بدلاً من الآخرة لغفلتهم عنها، واطمأنوا بها أي : سكنوا إليها مقْصرين هممهم على لذائذها وزخارفها، وسكنوا فيها سكون من يظن أنه لا ينزعج عنها. والذين هم عن آياتنا المتقدمة الدالة على كمال قدرتنا، غافلون : لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون ؛ لانهماكهم في الغفلة والذنوب.
قال البيضاوي : والعطف إما لتغاير الوصفين، والتنبيه على أن الوعيد على الجمع بين الذهول عن الآيات رأساً، والانهماك في الشهوات، بحيث لا تخطر الآخرة ببالهم أصلاً، وإما لتغاير الفريقين، والمراد بالأولين : من أنكر البعث ولم يُرد إلاّ الحياة الدنيا، وبالآخرين من ألهاه حبُ العاجل عن التأمل في الآجل والإعداد له.
إن الذين لا يرجون الوصول إلينا لقصر همتهم، ورضوا بالحياة الدنيا وشهواتها، واطمأنوا بها لم يرحلوا عنها، إذ لا يتحقق سير السائرين إلا بمجاهدة تركها والرحيل بالقلب عنها، والذين هم عن آياتنا غافلون ؛ لانهماكهم في الهوى والحظوظ، أولئك مأواهم نار القطيعة وغم الحجاب، بما كانوا يكسبون من الاشتغال بالحظوظ والشهوات. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي