ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ

ويقول الحق بعد ذلك :
إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون( ٧ ) .
والرجاء هو طلب شيء محبوب متوقع، والتمني طلب شيء محبوب إلا أنه غير ممكن الحدوث، ولكنك تعلن بتمنّيك أنه أمر تحبه، مثل من قال :
ألا ليت الشباب يعود يوما **** فأخبره بما فعل المشيب
هو بهذا القول يبين أن الشباب أمر محبوب ومرغوب. لكن هل يتأتى هذا ؟ طبعا لا. إذن : التمني هو طلب شيء محبوب لا يمكن أن يقع ؛ ومثل قول الشاعر :
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها **** عقود مدح فما أرضى لكم كلمي
وهذا غير ممكن.
أما الرجاء فهو أن تطلب شيئا محبوب من الممكن أن يقع.
وهنا يقول الحق سبحانه : إن الذين لا يرجون لقاءنا ، فلماذا لا يرجون لقاء الله ؟ لأن الذي يرجو لقاء الله هو من أعد نفسه لهذا اللقاء ؛ ليستقبل ثواب الله، لكن الذي لم يفعل أشياء تؤهله إلى ثواب الله، وعمل أشياء تؤهله إلى عقاب الله ؛ فكيف له أن يرجو لقاء الله ؟ إنه لا يرجو ذلك(١).
وعلى سبيل المثال : إن الرجل الذي يستشهد ويقدم نفسه للشهادة، ونفسه هي أعز شيء عنده، إنما يفعل ذلك لوثوقه بأن ما يستقبله بالاستشهاد خير مما يتركه من الحياة.
إذن : فالذي يرجو لقاء الله هو الذي يعدّ نفسه لهذا اللقاء ؛ بأن يتقى الله في أوامره ويتقي الله في نواهيه ؛ ولذلك تمر على الإنسان أحداث شتى ؛ وهي في مقاييس اليقين بين أمرين اثنين : حسنات وسيئات، وكل واحد يعلم أية حسنات قد فعل، وأية سيئات قد اقترف، ولا يغشّ أحد نفسه، فإذا ما كان حيّا فقد يجعله الأمل يكذّب نفسه، ولا يرى إلا ما فات من المغريات.
أما إذا جاءته لحظة الغرغرة(٢) في الموت، فهو يستعرض كل صفحته. فإن كانت حسنة استبشر وجهه، وإن كانت سيئة اكفهرّ وجهه، ولذلك يقال :" فلان كانت، خاتمته سيئة، وفلان كانت خاتمته متهللة ". وهذا كلام صحيح ؛ لأن الروح ساعة أن تقبض فهي تترك الجسم على ما هو عليه ساعة فراقها، فإن كان ضاحكا ومستبشرا، فقد رأى بعضا مما ينتظره من خير.
والإنسان وقت الغرغرة لا يكذب على نفسه، فهو ساعة يمرض بمرض فهو يأمل في العافية، فإذا أتى وقت انتهاء الحياة تعرض عليه أعماله عرضا سريعا، فإن كانت الأعمال حسنة تنفرج أساريره ؛ لأنه يستشرف ما سوف يلقاه من جزاء.
وهذا مثل التلميذ حين يكون مجدا ومجتهدا ثم يقولون له : هناك من جاء لك بالنتيجة ؛ فيجري عليه مطمئنا. وإن كان غير مجدّ ؛ ولم يجب، ويخاف من لقاء من يحمل النتيجة.
كذلك الذين يرجون لقاء الله ؛ عملوا استعدادا لهذا اللقاء وينتظرون الجزاء من الله، أما من لم يعملوا فهم يخافون من لقاء الله ولا يرجونه وسبب ذلك أنهم لم يعملوا للآخرة ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وكأنهم قد اكتفوا بها ولم يرغبوا في الآخرة. وقد سمى الله هذه الدار اسما كان يجب بمجرد أن نسمعه ننصرف عنها، فقال : بالحياة الدنيا . ولا يوجد اسم أقل من ذلك، والمقابل الحياة الدنيا هي الحياة العليا(٣).
والإنسان قد يبحث في عمر الدنيا ويقول : إنها تستمر عشرة ملايين من السنين، أو مائة مليون سنة، وقد لا يلتفت إلى أن عمره هو موقوت هذه الدنيا.
إذن : فالدنيا بالنسبة لك هي مقدار عمرك فيها، لا مقدار عمرها الحقيقي إلى أن تقوم الساعة، وماذا تستفيد منها وهي تطول لغيرك ؟ إن عمر الدنيا بالنسبة للإنسان هو مقدار مكث الإنسان فيها، وهو مظنون وغير متيقن، وقد يموت وهو في بطن أمه أو يموت وهو ابن شهر، أو ابن سنة، أو بعد أن يبلغ المائة. فالذي يرضى بغير المتيقن قصير النظر.
ولذلك انظر إلى القرآن وهو يقول : أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع(٤) الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل( ٣٨ ) ( التوبة ).
وحتى إن قست عمر الدنيا من بدء الخلق إلى أن تقوم الساعة، فهي إلى فناء، وما دامت إلى فناء، فهي متاع قليل، و من يطمئن إلى هذا المتاع القليل فهو غافل ؛ لذلك ينهي الحق الآية : والذين هم عن آياتنا غافلون عكس ما قال في الذين يعرفون قيمة العمل للآخرة.
حين يقول الحق : لآيات لقوم يتقون( ٦ ) ( يونس ) : والغفلة(٥) : هي ذهاب المعنى عن النفس، فما دام المعنى موجودا في النفس، فاليقظة توجد، والغفلة تذهب. إذن : الغفلة ذهاب المعنى عن النفس، واليقظة هي استقرار المعنى في النفس.
و نحن نعرف أن المعلومات التي يستقبلها الذهن البشري إنما تلتقطها بؤرة(٦) الشعور، مثلما تلتقط آلة التصوير الفوتوغرافية أية صورة.
وإياك أن تظن أن الإنسان يعرف المعلومة من تكرارها مرتين مثلا أو أكثر ؛ لأن كل الأذهان تتفق في أنها تلتقط المعلومة من مرة واحدة، ويتميز إنسان عن آخر في قدرته على أن يستقبل المعلومة بذهن مستعد لها ؛ لأن بؤرة الشعور لا تلتقط إلا معنى واحدا، ثم يتزحزح المعنى إلى حاشية الشعور ؛ لتأتي المعلومة الثانية، فإن استقبلت المعلومة وفي بؤرة شعورك معنى آخر ؛ لا تثبت المعلومة ؛ لذلك تكرر القراءة مرة واثنتين وثلاث مرات، حتى تصادف المعلومة خلوّ بؤرة الشعور.
ومثال هذا : الطالب حين يحاول حفظ قصيدة، فلو كان ذهنه مستعدا لاستقبال القصيدة فهو يحفظها من مرة واحدة.
إذن : الذهن كآلة الفوتوغرافيا ؛ ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول : ما جعل الله لرجل من قلبين(٧) في جوفه... ( ٤ ) ( الأحزاب ).
فإن كنت تريد أن تستقبل معلومة ما، فكن حريصا على أن تفرّغ ذهنك من أي معلومة ؛ لتأتي المعلومة الجديدة، فتصادف خلاء لبؤرة الشعور ؛ فتستقر فيها.
والمدرس الناجح هو الذي يلفت أذهان كل التلاميذ لما يقول، وما دامت الأذهان قد التفت إليه ؛ فلن تمر كلمة دون أن يستوعبها التلاميذ، عكس المدرس غير الناجح الذي يؤدي عمله برتابة(٨) وركاكة(٩) تصرف عنه التلاميذ. ونجد المدر س الناجح، وهو يلفت انتباه تلاميذه ويقطع الدرس ؛ ليسأل أي واحد منهم عمّا قال فيستمع إليه التلاميذ من بعد ذلك بانتباه ؛ لأن كل واحد منهم يتوقع أن يسأل عن المعلومة التي قيلت من قبل.
والتلميذ المجتهد هو الذي يقرأ الدرس بعقلية قادرة على مناقشة ما فيه من أساليب ومعلومات، وهو يستصحب حضور الذهن أثناء القراءة، أما التلميذ الفاشل فهو يقرأ دون يقظة أو انتباه.
مثال آخر : إن الفلاح الذي ينام على حافة بئر الساقية لا يقع في بئرها ؛ لأنه ينام وهو مستصحب لفكرة أنه إن تقلّب على جنب ما فسوف يقع في البئر(١٠). وكذلك الإخوة حين ينام اثنان منهم على سرير واحد، يقوم كل واحد منهما في الصباح وهو مستصحب أن هناك آخر بجانبه، ولكن إذا نام كل منهما في سرير منفصل، فهو يستيقظ ليجد رأسه في ناحية وساقيه في ناحية أخرى، وتسمى هذه العملية الاستصحاب واليقظة، ويقال : " فلان يقظ "، وكلمة " يقظ " ضد " نائم " (١١)، لأن اليقظان يحتفظ بالوعي والانتباه.
إذن : فالغفلة هي ذهاب المعنى من النفس وانطماسه، والذين يمرون بالآيات وهم غافلون عنها لن ينتفعوا بشيء من هذه الآيات، ثم تأتي لهم محصلة غفلتهم في الآخرة.
ويقول الحق سبحانه عنهم : أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون( ٨ ) :

١ الرجاء: الأمل المتوقع قربا، ضد اليأس. رجاه، من باب نصريرجوه رجوا ورجاء: توقعه مع إرادته إياه وسروره به، أو مع خوفه منه، ويستعمل الرجاء بمعنى الخوف، قاتل تعالى:ما لكم لا ترجون لله وقارا (١٣) (نوح) وقوله تعالى:إن الذين لا يرجون لقاءنا...(٧) (يونس) أي: لا يخافون لقاءنا أو لا يأملون بقاءنا، فيعملون علة تهيئة نفوسهم لهذا اللقاء العظيم بالعمل الصالح، والرجا: الناحية وجمعه أرجاء. قال تعالى:والملك على أرجائها (١٧) (الحاقة).
٢ الغرغرة: تردد الروح في الحلق(اللسان: مادة (غرر) ولحظات الغرغرة ووصول الروح إلى الحلق هي التي ينقطع عندها قبول التوبة، فعن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" أخرجه أحمد في مسنده (٢/١٣٢) والترمذي في سننه (٣٥٣٧) وقال: حديث حسن غريب، والحاكم في مستدركه (٤/٢٥٧) وصححه وافقه الذهبي وابن حبان (٢٤٤٩موارد الظمآن)..
٣ عن المستورد بن شداد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع؟" أخرجه مسلم في صحيحه (٢٨٥٨) وأحمد في مسنده (٤/ ٢٢٩، ٢٣٠) والترمذي في سننه (٢٣٢٣) وقال: حديث حسن صحيح..
٤ ذكر الله تعالى المتاع، والإستمتاع، والتمتيع في مواضع من كتابه الكريم، ومعانيها وإن اختلفت راجعة إلى أصل واحد. والمتاع: هو كل شيء ينتفع به ويتبلغ ويتزود، والفناء يأتي عليه في الدنيا. قال تعالى:قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى(٧٧) (النساء) وقال تعالى:توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى(٣) (هود) وقال تعالى:قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده (٧٩) (يوسف) وقال تعالى:ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا (٦٥) (يوسف) وقال تعالى:ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم (١٠٢) (النساء) وقال تعالى:{فمن تمتع بالعمرة إلى الحج (١٩٦) (البقرةà (اللسان: مادة (متع)... بتصرف).
٥ أغفلت الشيء: تركته غفلا وأنت له ذاكرا. قال تعالى:{وكانوا عنها غافلين(١٣٦) (الأعراف) أي: أنهم كانوا في تركهم الإيمان بالله والنظر فيه والتدبر له بمنزلة الغافلين، أو أنهم كانوا عما يراد وبهم من الإثابة عليه غافلين (اللسان: مادة(غفل).

٦ بؤرة الشعور: مراكز الشعور والإحساس والإدراك في المخ. وبؤرة كل شيء مركزه. (المعجم الوسيط: مادة (بأر)... بتصرف).
٧ ويعبر عن القلب المفكر، ويستعمله القرآن بمعنى العقل كثيرا لقوله تعالى:أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (٢٤) (محمد) وقال:لهم قلوب لا يفقهون بها (١٧٩) (الأعراف أي: عقول، والقلب يرفض الثنائية في الفكر، ومن هنا تتكون بؤرة الشعور في القائل الموجود والفكر الواحد..
٨ الرتابة: السير أو النهج على نظام واحد لا يتغير (اللسان، مادة: رتب).
٩ الركاكة: الضعف في اللفظ والأسلوب..
١٠ وقد ورد نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النوم على ظهر بيت ليس له حجار (أي: سور يمنع سقوطه من على سطح البيت) فعن علي بن شيبان قال قال صلى الله عليه وسلم:"من بات ليس له حجار فقد برئت منه الذمة" أخرجه أبو داود في سننه (٥٠٤١) نحو عند أحمد في مسنده (٥/٧٩، ٢٧١)..
١١ اليقظة: نقيض النوم، وقد تكون ضد الغفلة وعدم الفطنة، ويقال: رجل يقظ ويقظ إذا كان متيقظا فيه معرفة وفطنة..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير