ثم بيَّن - تعالى - أنَّ موسى - عليه الصلاة والسلام - لمَّا أمرهم بذلك قبلوا قوله فَقَالُواْ على الله تَوَكَّلْنَا أي : توكُّلُنا عليه واعتمادنا، ولم نلتفت إلى أحد سواه، ثم اشتغلوا بالدعاء، وطلبوا من الله شيئين :
أحدهما : أن قالوا : رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظالمين .
والثاني : وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين أما قولهم : لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظالمين ففيه وجوه :
الأول : لا تفتن بنا فرعون وقومه ؛ لأنك لو سلطَّتهُم علينا، لوقع في قلوبهم أنَّا لو كنَّا على الحقِّ، لما سلَّطتهُم علينا ؛ فيصير ذلك شبهةً قويَّةً في إصرارهم على الكفر ؛ فيكون ذلك فتنةً لهم.
الثاني : لو سلَّطتهُم علينا، لاستوجبُوا العقاب الشَّديد في الآخرة، وذلك يكون فتنة لهم.
الثالث : أنَّ المراد بالفتنة المفتُون ؛ لأنَّ إطلاق لفظ المصدر على المفعول جائز، كالخلق بمعنى المخلوق والتقدير : لا تَجٍْعلْنا مفْتُونين بأنَّ يقهَرُونا بالظُّلْمِ على أن ننصرف من هذا الدِّين الذي قبلناهُ، ويؤكِّد هذا قوله : فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ على خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ [ يونس : ٨٣ ].
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود