ﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ

وأراد الحق سبحانه أن يكرم-بعد ذلك-موسى عليه السلام وقومه فقال سبحانه وتعالى :
وأوحينا إلى موسى أن تبوءا( ١ ) لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين( ٨٧ ) :
وأوضحنا من قبل أن موسى وهارون عليهما السلام رسولان برسالة واحدة، وأن الوحي قد جاء للاثنين برسالة واحدة.
فالحق سبحانه ساعة يختار نبيا رسولا، فإنما يختاره بتكوين وفطرة تؤهّله لحمل الرسالة والنطق بمرادات الله تعالى.
وإذا كان الخلق قد صنعوا آلات ذاتية الحركة من مواد جامدة لا فكر لها ولا روية( ٢ )، مثل الساعة التي تؤذن، أو المذياع الذي يذيع في توقيت محدد، إذا كان البشر قد صنعوا ذلك فما بالنا بالله سبحانه الخالق لكل الخلق والكون ومرسل الرسل ؟
إنه سبحانه وتعالى يختار رسله بحيث يسمح تكوين الرسول أن يؤدي مهمة الموكولة إليه في أي ظرف من الظروف.
وقوله الحق سبحانه هنا : وأوحينا إلى موسى وأخيه.. ( ٨٧ ) [ يونس ] : يبين لنا أن الوحي شمل كلا من موسى وهارون عليهما السلام، بحيث إذا جاء موقف من الموقف يقتضي أن يتكلم فيه موسى، فهارون أيضا يمكن أن يتكلم في نفس الأمر ؛ لن الشحنة الإيمانية واحدة، والمنهج واحد.
وقد حدث ذلك بعد أن غرق فرعون وقومه، وخلا لهم الجو، فجاء لهم الأمر أن يستقروا في مصر، وأن يكون لهم فيها بيوت.
ولكن لنا أن نسأل : هل فرعون هذا هو شخص غرق وانتهى ؟
لا.. إن فرعون ليس اسما لشخص، بل تصنيف لوظيفة، وكان لقب كل حاكم لمصر قديما هو " فرعون " ؛ لذلك لا داعي أن نشغل أنفسنا : هل هو تحتمس الأول ؟ أو رمسيس ؟ أو ما على ذلك. ؟ فهب أن فرعون المعنَّى هنا قد غرق، ألا يعني ذلك مجيء فرعون جديد ؟
نحن نعلم من التاريخ أن الأسر الحاكمة توالت، وكانوا فراعنة، وكان منهم من يضطهد المؤمنين، ولا بد أن يكون خليفة الفرعون أشد ضراوة وأكثر شحنة ضد هؤلاء القوم.
وقوله الحق سبحانه وتعالى في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها : وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا( ٣ ) لقومكما بمصر بيوتا.. ( ٨٧ ) [ يونس ] : نجد فيه كلمة " مصر " ( ٤ ) وهي إذا أطلقت يفهم منها أنها " الإقليم ".
ونحن هنا في بلدنا جعلنا كلمة " مصر " علما على الإقليم الممتد من البحر المتوسط على حدود السودان، أي : وادي النيل.
ومرة أخرى جعلنا من " مصر " اسما لعاصمة وادي النيل. ونحن نقول أيضا عن محطة القطارات في القاهرة :" محطة مصر ".
وقول الحق سبحانه هنا : .. أن تبوءا لقومكما( ٨٧ ) [ يونس ] : نفهم منه أن التبوء هو اتخاذ مكان يعتبر مباءة( ٥ ) ؛ أي : مرجعا يبوء الإنسان إليه.
التبوء-إذن-هو التوطن في مكان ما، والإنسان إذا اتخذ مكانا كوطن له فهو يعود إليه إن ذهب على أي بلد لفترة.
ويعتبر الخروج من الوطن مجرد رحلة تقتضي العودة، وكذلك البيت بالنسبة للإنسان ؛ فالواحد منا يطوف طوال النهار في الحقل أو المصنع أو المكتب، وبعد ذلك يعود إلى البيت للبيتوتة( ٦ ).
والبيوت التي أوصى الله سبحانه وتعالى بإقامتها لقوم موسى وهارون-عليهما السلام-كان لها شرط هو قول الحق سبحانه : واجعلوا بيوتكم قبلة.. ( ٨٧ ) [ يونس ].
والقبلة هي المتجه الذي نصلي إليه.
ومثال ذلك : المسجد، وهو قبلة من هو خارجه، وساعة ينادي المؤذن للصلاة يكون المسجد هو قبلتنا التي نذهب إليها، وحين ندخل المسجد نتجه داخله إلى القبلة، واتجاهنا إلى القبلة هو الذي يتحكم في وضعنا الصفي.
والأمر هنا من الحق سبحانه : واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة.. ( ٨٧ ) [ يونس ] :
فإقامة البيوت هنا مشروطة بأن يجعلوا بها قبلة لإقامة الصلاة بعيدا عن أعين الخصوم الذين يضطهدونهم، شأنهم شأن المسلمين الأوائل حينما كان الإسلام-في أوليته-ضعيفا بمكة، وكان المسلمون حين ذاك يصلون في قلب البيوت، وهذا هو سر عدم الجهر بالصلاة نهارا، وعدم الجهر يفيد في ألا ينتبه الخصوم إلى مكان المصلين.
وأما الجهر بالصلاة ليلا وفجرا، فقد كان المقصود به أن يعلمهم كيفية قراءة القرآن.
وهنا يقول الحق سبحانه : أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة.. ( ٨٧ ) [ يونس ] : وقد يكون المقصود بذلك أن تكون البيوت متقابلة.
وإلى يومنا هذا أنت إن نظرت إلى ساحات( ٧ ) اليهود في أي بلد من بلاد الدنيا تجد أنهم يقطنون حيا واحدا، ويرفضون أن يذوبوا في الأحياء الأخرى..
ففي كل بلد لهم حي يسكنون فيه، ويسمى باسم " حي اليهود ". وكانت لهم في مصر " حارات " كل منها تسمى باسم " حارة اليهود ".
وقد شاء الحق-سبحانه وتعالى-ذلك وقال في كتابه العزيز : وضربت عليهم الذلة والمسكنة.. ( ٦١ ) [ البقرة ] : وهم يحتمون بتواجدهم معا، فإن حدث أمر من الأمور يفزعهم ؛ يصبح من السهل عليهم أن يلتقوا.
أو واجعلوا بيوتكم قبلة.. ( ٨٧ ) [ يونس ] : أي : أن يكون تخطيط الأماكن والشوارع التي تبنى عليها البيوت في اتجاه القبلة.
وأي خطأ معماري مثل الذي يوجد في تربيعة بناء مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، هذا الخطأ يوجب الاتجاه على اليمين قليلا مما يسبب بعض الارتباك للمصلين ؛ لأن الانحراف قليلا على اليمين في أثناء الصلاة يقتضي أن يقصر كل صف خلف الصف الآخر.
وحين نصلي في المسجد الحرام بمكة، نجد بعضا من المصلين يريدون مساواة الصفوف، وأن تكون الصفوف مستقيمة، فنجد من ينبه إلى أن الصف يعتدل بمقدار أطول أضلاع الكعبة، ثم ينحني الصف.
وكذلك في الأدوار العليا التي أقيمت بالمسجد الحرام نجد الصفوف منحنية متجهة إلى الكعبة.
ولذلك أقول دائما حين أصلي بالمسجد الحرام : إن معنى قول الإمام " سووا صفوفكم " أي : اجعلوا مناكبكم( ٨ ) في مناكب بعضكم البعض، أما خارج الكعبة فيكفي أن نتجه إلى الجهة التي فيها الكعبة، ونحن خارج الكعبة لا نصلي لعين الكعبة، ولكننا نصلي تجاه الكعبة ؛ لأننا لو كنا نصلي إلى عين الكعبة لما زاد طول الصف في أي مسجد عن اثني عشر مترا وربع المتر، وهو أطول أضلاع الكعبة.
وقول الحق سبحانه هنا : واجعلوا بيوتكم قبلة( ٩ ).. ( ٨٧ ) [ يونس ] : أي : خططوا في إقامة البيوت أن تكون على القبلة، وبعض الناس يحاولون ذلك، لكن تخطيط الشوارع والأحياء لا يساعد على ذلك.
ثم يقول الحق سبحانه : وأقيموا الصلاة.. ( ٨٧ ) [ يونس ] : وهذا الأمر نفهم منه أن الصلاة فيها استدامة الولاء( ١٠ ) لله تعالى، فنحن نشهد ألا إله إلا الله مرة واحدة في العمر، ونزكي-إن كان عندنا مال- مرة واحدة في السنة، ونصوم-إن لم نكن مرضى-شهرا واحدا هو شهر رمضان، ونحج-إن استطعنا-مرة واحدة في العمر.
ويبقى ركن الصلاة، وهو يتكرر كل يوم خمس مرات، وإن شاء الإنسان فليزدن وكأن الحق سبحانه وتعالى هنا ينبه إلى عماد الدين وهي الصلاة.
ولكن من الذي اختار المكان في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ؟ هل هو موسى وأخوه هارون ؟ أم أن الخطاب لكل القوم ؟
نلحظ هنا أن الأمر بالتبوّء هو لموسى وهارون-عليها السلام-أما الأمر بالجعل فهو مطلوب من موسى وهارون والأتباع ؛ لذلك جاء الجعل هنا بصيغة الجمع.
وينهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله : .. وبشر المؤمنين( ٨٧ ) [ يونس ] : وفي هذا تنبيه وإشارة إلى أن موسى هو الأصل في الرسالة ؛ لذلك جاء له الأمر بأن يحمل البشارة للمؤمنين.
ونلحظ هنا في هذه الآية أن الحق سبحانه جاء في التبوء، وجاء بالجمع في جعل البيوت، ثم جاء بالمفرد في نهاية الآية لينبهنا إلى أن موسى-عليه السلام-هو الأصل في الرسالة إلى بني إسرائيل.
والبشرى على الأعمال الصالحة تعني : التبشير بالجنة.

١ تبوءا: اتخذا واجعلا. قبلة: مصلى تصلون فيه لتأمنوا من الخوف. وكان فرعون قد منعهم من الصلاة. أقيموا الصلاة: أتموها. وبشر المؤمنين: بالنصر والجنة.[تفسير الجلالين: ص ١٨٦].
وذكر ابن كثير في تفسيره(٢/٤٢٩، ٤٢٨): أن الله تعالى أمر موسى وأخاه هارون عليهما السلام أن يتبوءا أي: يتخذا لقومهما بمصر بيوتا، واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى:واجعلوا بيوتكم قبلة..(٨٧) فعن ابن عباس: قال: أمروا أن يتخذوها مساجد. وعن ّإبراهيم النخعي قال: كانوا خائفين فأمروا أن يصلوا في بيوتهم، وكذا قال غير واحد من علماء التفسير، وكان هذا والله اعلم لما اشتد بهم البلاء من قبل فرعون وقومه وضيقوا عليهم أمروا بكثرة الصلاة كقوله تعالى:يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة..(١٥٣))[البقرة]. وقال سعيد بن جبير في تفسير هذه الآية (قبلة) أي: يقابل بعضها بعضا.[من تفسير ابن كثير.. بتصرف]..

٢ الروية: النظر والتفكير في الأمور، وهي خلاف البديهة [المعجم الوسيط: مادة (ر و ى)]..
٣ تبوأ: نزل وسكن..
٤ ورد اسم "مصر" في القرآن الكريم أربع مرات علما على مصر فرعون في قوله تعالى:وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا..(٨٧)[يونس]. وفي قوله تعالى:وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه..(٢١)[يوسف]. وفي قوله تعالى:.. وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين(٩٩)[يوسف]. وفي قوله تعالى:ونادى فرعون في قومه يا قوم أليس لي ملك مصر..(٥١)[الزخرف]. أنما قوله تعالى:اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم..(٦١)[البقرة] فقد وقعت فيها كلمة مصر منونة، دلالة على انه ليس المقصود بها مصر فرعون العلم الأعجمي الذي يمنع من الصرف والتنوين، فهي مصر من الأمصار أي: بلد من البلاد..
٥ المباءة: المكان الذي ينزل به الإنسان ويسكن فيه.[لسان العرب: مادة (ب و أ)-بتصرف]..
٦ البيتوتة: مصدر للفعل بات يبيت، حيث إن البيت هو محل البيات والمبيت.[لسان العرب: مادة (ب ى ت)-بتصرف]..
٧ الساحات: جمع ساحة وهي الناحية من البيوت. وهي أيضا فضاء يكون بين بيوت الحي. وساحة الدار: باحتها.[اللسان مادة: س و ح] ومنه قوله تعالى:أفبعذابنا يستعجلون(١٧٦)فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين(١٧٧)}[الصافات] أي: بالملحة أو الديار التي يسكنونها...
٨ المناكب: جمع منكب، وهو مجتمع عظم العضد والكتف.[لسان العرب: مادة (ن ك ب)]..
٩ القبلة: الوجهة. قال تعالى:قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام..(١٤٤)[البقرة]، وهي الجهة التي نتجه إليها في صلاتنا. ومعنى الآية هنا أن يبنوا بيوتهم، مواجهة للقبلة. أو: اجعلوها قبلة للناس يتجهون إليها لنيل الخير..
١٠ الولاء: الحب والنصرة. يقول سبحانه:وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون(٣٤)[الأنفال]...

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير