ﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ

وقوله تعالى :( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ) الآية يحتمل وجهين :
أحدهما : يحتمل قوله :( تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً ) أي اتخذا لقومكما مساجد تصلون فيها ( واجعلوا بيوتكم ) أي اجعلوا في بيوتكم التي [ اتخذتموها مساجد ( قبلة ) فيكون قوله ][ في الأصل وم : اتخذتم المساجد قبلة ] :( تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً ) [ الأمر باتخاذ المساجد، ويكون في قوله ( واجعلوا بيوتكم قبلة ) الأمر باتخاذ القبلة في المساجد التي أمر ببنائها.
والثاني :[ يحتمل ][ ساقطة من الأصل ] قوله :( تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً ) ][ ساقطة من م ] أي اتخذا لقومكما بمصر مساجد على ما ذكرنا.
وقوله تعالى :( واجعلوا بيوتكم قبلة ) أي اجعلوا بيوتكم التي بنيتم لأنفسكم قبلة تتوجهون إليها. ويكون فيه دلالة أن نصب الجماعة واتخاذ المساجد والقبلة متوارثة ليست ببديعة لنا وفي شريعتنا خاصة، ويؤيد ما ذكرنا أن فيه الأمر باتخاذ المساجد.
وقوله تعالى :( وأقيموا الصلاة ) دل الأمر بإقامة الصلاة على أن الأمر بتبوئة البيوت أمر باتخاذ المساجد، والآية التي ذكر فيها اتخاذ المساجد تخرج مخرج الإباحة لنا، وهو قوله :( في بيوت أذن الله أن ترفع )[ النور : ٣٦ ] هو في الظاهر إباحة، وقيل[ في الأصل وم : قيل ] : هو أمر في الحقيقة، وإن كان في الظاهر إباحة. ألا ترى أنه قال :( ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها ) الآية ؟ [ النور : ٣٦ ] ولا شك أن ذكر اسمه والتسبيح له أمر فيه، دل أنه ما ذكرنا، والله أعلم.
وأما أهل التأويل فإنهم قالوا : إنهم كانوا يخافون وملأه، فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة، يصلون فيها سرا خوفا من فرعون، هذا يحتمل إذا كان قبل هلاك فرعون وقبل أن يستولوا على مصر. وإذا كان بعد هلاكه وبعد ما استولوا، وملكوا، على مصر وأهله فالأمر فيه ما ذكرنا أمر باتخاذ المساجد ونصب الجماعات فيه وإقامة الصلاة فيها.
وقال بعضهم من أهل التأويل : وجهوا بيوتكم ومساجدكم نحو القبلة. لكن هذا بعيد لأنه لا يكون بيتا إلا وتكون جهة من جهاته إلى القبلة، فلا معنى له، والوجه فيه ما ذكرنا.
ويحتمل الأمر بتبوئة البيوت لقومهما بمصر وجعل البيوت قبلة وجهين :
أحدهما : الأمر بالانفصال من فرعون وقومه حتى إذا أرادوا الخروج من عندهم قدروا على ذلك، ولا يكون المرور عليهم. وكان ذلك الانفصال ؛ إنما كان من جهة القبلة.
والثاني : ما ذكر [ أنهم ][ ساقطة من الأصل وم ] أرادوا أن يعتزلهم حتى يتهيا لهم الصلاة فيها، وكانت[ في الأصل وم : كان ] لا تتهيأ لهم في بيوت فرعون.
وقوله تعالى :( وبشر المؤمنين ) يحتمل البشارة في الآخرة [ بالجنة ][ من م، ساقطة من الأصل ] وأنواع النعم، ويحتمل أن يبشرهم بالملك في الدنيا والظفر على فرعون وأنواع النعم بعد ما أصابتهم[ في الأصل وم : أصابوا ] الشدائد من فرعون كقوله :( اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ )[ المائدة : ٢٠ ].
وقال أبو عوسجة : قوله :( أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا ) تُهيئا من التهيئة ؛ أي هيئا لهم موضعا كقوله :( وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ )[ يونس : ٩٣ ] أي هيأنا لهم مهيأ صدق.

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية