بقوله إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا فكأنه تعالى يقول للمسلم حال إسلامه إن كنت من المؤمنين بالله فعلى الله توكل والأمر كذلك لان الإسلام عبارة عن الاستسلام وهو الانقياد لتكاليف الله وترك التمرد والايمان عبارة عن معرفة القلب بأن واجب الوجود لذاته واحد وما سواه محدث تحت تدبيره وقهره فاذا حصلت هاتان الحالتان فعند ذلك يفوض العبد جميع أموره الى الله تعالى ويحصل في القلب نور التوكل على الله.
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٨٧ الى ٨٩]
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩)
اللغة:
(تَبَوَّءا) : تبوّأ المكان: اتخذه مباءة كقولك توطنه إذا اتخذه
وطنا وبوأت له بيتا أي اتخذته وقال أبو علي: إن تبوأ فعل يتعدى الى مفعولين.
(اطْمِسْ) : الطمس: إزالة أثر الشيء بالمحو وطمست الريح آثار الديار والطمس تغير الى الدثور والدروس قال كعب بن زهير:
| من كل نضّاخة الذّفرى إذا عرقت | عرضتها طامس الأعلام مجهول |
(وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً) الواو استئنافية وأوحينا فعل وفاعل والى موسى جار ومجرور متعلقان بأوحينا وأخيه عطف على موسى وأن يجوز أن تكون مفسرة لأنه قد تقدمها ما هو بمعنى القول دون حروفه وهو الإيحاء ويجوز أن تكون مصدرية على بابها وهي مع مدخولها في موضع نصب مفعول أوحينا أي أوحينا إليهما التبوّء ولقومكما متعلقان بتبوءا وباعتبارها مفعولا ثانيا وبمصر حال وبيوتا مفعول تبوأا وجوز أبو البقاء أن يتعلق بتبوءا. (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) واجعلوا عطف على تبوأا وبيوتكم مفعول اجعلوا الاول وقبلة مفعول اجعلوا الثاني وأقيموا الصلاة عطف وهو فعل أمر وفاعل ومفعول به وبشر المؤمنين عطف أيضا وسيأتي في باب البلاغة سر تنويع الخطاب. (وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) قال موسى فعل وفاعل وربنا منادى مضاف حذف منه حرف النداء وإن وسمها وجملة آتيت خبر إن وفرعون مفعول به وملأه عطف على فرعون وزينة مفعول صفحة رقم 288
به ثان وأموالا عطف على زينة وفي الحياة الدنيا صفة لزينة (رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) ربنا منادى مضاف وأعيد للتوكيد واللام لام الصيرورة والعاقبة أي آتيتهم النعم المذكورة ليشكروها ويتبعوا سبيلك فكان عاقبة أمرهم أنهم كفروها وضلوا عن سبيلك ويجوز أن تكون لام العلة والمعنى أنك آتيتهم ما آتيتهم على سبيل الاستدراج فكان الإيتاء لهذه العلة وقال الحسن البصري: هي لام الدعاء عليهم بأن يبقوا على ما هم عليه من الضلال، وعن سبيلك جار ومجرور متعلقان بيضلوا (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ) اطمس فعل أمر وفاعله أنت وعلى قلوبهم جار ومجرور متعلقان باطمس واشدد على قلوبهم عطف على اطمس على أموالهم. (فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) يحتمل يؤمنوا النصب والجزم فالنصب بأن مضمرة بعد فاء السببية العاطفة أو العطف على قوله ليضلوا فلا يؤمنوا واختاره المبرد وعلى هذا يكون قوله: ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم اعتراضا، والجزم على وجه الدعاء عليهم على أن لا التي بسميها النحاة ناهية وهي بالنسبة الى الله تعالى لام الدعاء ومثله بيت الأعشى.
| فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى | ولا تلقني إلا وأنفك راغم |
(فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) الفاء الفصيحة واستقيما فعل أمر والالف فاعل ولا تتبعان الواو عاطفة ولا ناهية وتتبعان فعل صفحة رقم 289
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين بن أحمد مصطفى درويش