قوله : فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ في " بِبدنِكَ " وجهان :
أحدهما : أنَّها باء المصاحبةِ بمعنى مصاحباً لبدنك، وهي الدَّرْع، فيكونُ " بِبدنِكَ " في موضع الحالِ.
قال المفسِّرُون : لمْ يُصدِّقُوا بغرقه، وكانت لهُ دِرْعٌ تعرفُ فألقي بنجوة من الأرض، وعليه درعهُ ليعرفوهُ، والعربُ تطلقُ البدنَ على الدِّرع، قال عمرو بن معد يكرب :[ الوافر ]
أعَاذِل شِكَّتِي بَدِنِي وسَيْفِي *** وكُلُّ مُقلَّصٍ سَلِسِ القِيَادِ١
وقال آخرُ :[ الوافر ]
تَرَى الأبْدانَ فِيهَا مسْبَغَاتٍ *** عَلى الأبْطَالِ واليَلَبَ الحَصِينَا٢
أراد بالأبدان : الدُّرُوع، واليَلَبُ : الدروع اليمانية كانت تتخذ من الجلود يُخْرَزُ بعضها إلى بعض، وهو اسم جنس، الواحد : يَلَبَةٌ.
وقيل : بِبدنِكَ أي : عُرْيَان لا شيء عليه، وقيل : بَدَناً بلا رُوحٍ.
والثاني : أن تكون سببيَّة على سبيل المجاز ؛ لأنَّ بدنهُ سببٌ في تنجيته، وذلك على٣ قراءةِ ابن مسعود وابن السَّمَيْفَع " بِندَائِكَ " من النِّداءِ، وهو الدُّعاء : أي : بما نادى به في قومه من كفرانه في قوله : ونادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ [ الزخرف : ٥١ ] فَحَشَرَ فنادى فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى [ النازعات : ٢٣، ٢٤ ] يا أيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي [ القصص : ٣٨ ]. وقرأ يعقوب٤ " نُنْجِيكَ " مخففاً من أنجاه. وقرأ أبو٥ حنيفة :" بأبْدانِكَ " جمعاً : إمَّا على إرادةِ الأدْرَاع، لأنَّهُ كان يلبسُ كثيراً منها خوفاً على نفسه، أو جعل كُلَّ جُزءٍ من بدنه بدناً كقوله :" شَابَتْ مَفارِقُهُ " ؛ قال :[ الكامل ]
. . . *** شَابَ المَفارِقُ واكتَسَيْْنَ قتيرَا٦
وقرأ ابن مسعود، وابن٧ السميفع، ويزيد البربري ننحيك بالحاء المهملة من التَّنْحِيةِ أي : نُلْقيكَ فيما يلي البحر، قال المفسرون : رماه إلى ساحل البحرِ كالثَّور. وهل ننَجِّيك من النجاة بمعنى نُبْعِدك عمَّا وقع فيه قومُكَ من قَعْرِ البحر، وهو تهكُّم بهم، أو مِنْ ألقاه على نجوة أي : رَبْوة مرتفعة، أو من النَّجاة، وهو التَّرْكُ أو من النَّجاءِ، وهو العلامة، وكلُّ هذه معانٍ لائقة بالقصَّة، والظَّاهرُ أنَّ قولهُ : فاليوم نُنَجِّيكَ خبرٌ محض. وزعمَ بعضُهُم أنَّه على نيَّة همزةِ الاستفهامِ، وفيه بعدٌ لحذفها من غير دليلٍ، ولأنَّ التعليل بقوله " لِتكُون " لا يُناسِبُ الاستفهام.
و " لِتَكُونَ " متعلقٌ ب " نُنَجِّيكَ " و " آيَةً " أي : علامة وقيل : عِبْرةً وعِظَةً، و " لِمَنْ خَلْفكَ " في محلِّ نصبٍ على الحالِ من " آيَةً " لأنَّه في الأصل صفةٌ لها.
وقرأ بعضهم " لِمَنْ خلقك " آية كسائر الآيات. وقرئ٨ " لِمَن خلَفكَ " بفتح اللاَّم جعله فعلاً ماضياً، أي : لِمَنْ خلفكَ من الجبابرة ليتَّعظُوا بذلك. وقرئ٩ " لِمَنْ خلقَكْ " بالقاف فعْلاً ماضياً، وهو الله تعالى أي : ليجعلك الله آية له في عباده.
فصل
في كونه " لِمَنْ خلفه آيةً " وجوه :
أحدها : أنَّ الذين اعتقدُوا إلاهيته لمَّا لم يُشَاهدُوا غرقه كذَّبُوا بذلك، وزعموا أنَّ مثله لا يموت، فأخرجه الله تعالى بصورته حتى أبصروه وزالت الشُّبْهةُ عن قلوبهم.
الثاني : أنَّه تعالى أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والمهانة بعد ما سمعوا منه قوله : أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى [ النازعات : ٢٤ ] ليكون ذلك زَجْراً للخَلْقِ عن مثل طريقته.
الثالث : أنه تعالى لمَّا أغرقه مع جميع قومه، ثُمَّ إنَّه تعالى ما أخرج أحداً منهم من قَعْر البَحْرِ، بل خصَّهُ بالإخراج كان تخصيصه بهذه الحالة عجيبة دالة على قدرة الله تعالى، وعلى صدق موسى - عليه الصلاة والسلام - في دعوة النبوَّةِ.
الرابع : تقدم في قراءة من قرأ لمن خالقك بالقاف أي لتكون لخالقك آية كسائر آياته.
ثم قال تعالى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ والظَّاهرُ أنَّ هذا الخطاب لأمة محمد - عليه الصلاة والسلام - زجراً لهم عن الإعراض عن الدَّلائل، وباعثاً لهم على التأمُّلِ فيها والاعتبار بها، كما قال تعالى : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألباب [ يوسف : ١١١ ].
٢ البيت لكعب بن مالك. ورواية الديوان:
ترانا من فضافض سابغات *** كغدران الملا متسربلينا
ينظر: ديوانه (٢٧٩) والبحر المحيط ٥/١٨٨ والقرطبي ٨/٢٤٣ وفتح القدير ٢/٤٧٠ والدر المصون ٤/٦٧..
٣ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١٤٢، البحر المحيط ٥/١٨٩، الدر المصون ٤/٦٧..
٤ ينظر: السابق..
٥ ينظر: الكشاف ٢/٣٦٩، المحرر الوجيز ٣/١٤٢، البحر المحيط ٥/١٨٩، الدر المصون ٤/٦٧..
٦ عجز بيت لجرير وصدره:
قال العواذل ما لجهلك بعدها ***...
ينظر: ديوانه ٢٨٩ والكتاب ٣/٤٨٣ والدر المصون ٤/٦٨..
٧ ينظر: الكشاف ٢/٣٦٩، المحرر الوجيز ٣/١٤٢، البحر المحيط ٥/١٨٩، الدر المصون ٤/٦٧..
٨ ينظر: الكشاف ٢/٣٦٩، المحرر الوجيز ٣/١٤٢، البحر المحيط ٥/١٨٩، الدر المصون ٤/٩٨..
٩ ينظر: السابق..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود