٩٢ - قوله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ، قال ابن عباس (١) عامة المفسرين (٢): لما غرّق الله فرعون وقومه جحد بعض بني إسرائيل غرق فرعون، وقالوا: هو أعظم شأنًا من أن يغرق، فأخرجه الله حتى رأوه فذلك قوله: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ أي: نلقيك على نجوة من الأرض، وهي المكان المرتفع، وهذا قول أبي عبيدة (٣)، وأبي عمرو بن العلاء (٤)، ويونس (٥)، واختيار الزجاج (٦)، وابن قتيبة (٧)، وروى ثعلب، عن ابن الأعرابي قال: إنهم -أحسبها- شكوا في غرقه؛ فأمر الله أن يقذفه على دكة
(٢) منهم قتادة ومجاهد وقيس بن عباد وابن جريج وغيرهم.
انظر: "تفسير ابن جرير" ١١/ ١٦٥ - ١٦٦، "الدر المنثور" ٣/ ٥٧٨. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ٨/ ٣٤٨ بعد أن ذكر أثر قيس بن عباد: هذا موقوف، رجاله ثقات.
(٣) "مجاز القرآن"١/ ٢٨١.
(٤) لم أجد من ذكره بعد طول بحث، وقد نسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" ٤/ ٦٠ إلى اللغويين، وذكره ابن سيده في "المخصص" ١٠/ ٧٩، ونسبه لأبي عبيد والخليل والأصمعي ونسبه الأزهري في "تهذيب اللغة" (نجا) ٤/ ٣٥١٠ للزجاج وأبي زيد والنضر بن شميل.
(٥) رواه ابن الأنباري وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" ٣/ ٥٧٠، وانظر: "زاد المسير" ٤/ ٦٠.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٣٢، وعبارة الزجاج تدل على أنه لم يختر هذا القول، ونصها: (ننجيك ببدنك) نلقيك عريانًا، وقيل: (ننجيك ببدنك) نلقيك على نجوة من الأرض.
(٧) "تفسير غريب القرآن" ص ٢٠٤.
في (١) البحر (٢).
وذهب بعضهم إلى أن هذا من النجاة والتخليص، ومعنى ننجيك نخرجك من البحر بعد الغرق (٣) وهو معنى قول الكلبي (٤)، ونحو ذلك قال عطاء عن ابن عباس: فأخرجه الله حتى رأوه (٥).
واختلفوا في معنى البدن هاهنا؛ فأهل اللغة ذهبوا إلى أن معناه الدرع (٦)، قال الليث: البدن: شبه الدرع، إلا أنه قصير قدر ما يكون على المجسد، قصير الكمين (٧).
وقال ابن الأعرابي في هذه الآية: ببدنه: بدرعه (٨)، وأنشد ابن الأنباري:
| ترى الأبدان فيها مسبغات | على الأبطال واليلب الحصينا (٩) |
(٢) "تهذيب اللغة" (بدن) ١/ ٢٩٥، وفيه: فأمر الله البحر أن يقذفه.
(٣) انظر: "تفسير ابن جرير" ١١/ ٦٤١ - ١٦٦، وهود بن محكم ٢/ ٢٠٧، والسمرقندي ٢/ ١١٠، والزمخشري ٢/ ٢٥١.
(٤) رواية الكلبي عن ابن عباس في "تنوير المقباس" ص ٢١٩ موافقة للقول الأول، ولم أجد من ذكر قول الكلبي هذا.
(٥) ذكره المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥٥٨، وبنحوه رواه ابن جرير ١١/ ١٦٦ من رواية عطية العوفي.
(٦) انظر: "الصحاح" (بدن) ٥/ ٢٠٧٧، "مجمل اللغة" (بدن) ١/ ١١٩.
(٧) "تهذيب اللغة" (بدن) ١/ ٢٩٥، والنص في كتاب "العين" (بدن) ٨/ ٥١.
(٨) "تهذيب اللغة"، الموضع السابق.
(٩) البيت لكعب بن مالك في "تفسير القرطبي" ٨/ ٣٨٠، "فتح القدير" للشوكاني ٢/ ٦٨١، وبلا نسبه في "البحر المحيط" ٥/ ١٨٩، "الدر المصون" ٦/ ٢٦٥، وليس في "ديوانه". =
هذا قول ابن عباس قال: كانت عليه درع من ذهب يعرف بها وهو البدن (١)، والمعنى على هذا: إنا نرفع فرعون فوق الماء بدرعه المشهورة ليعرفوه بها أو نخرجه من الماء بدرعه، على الخلاف في نُنَجِّيكَ.
وقال آخرون: معنى البدن هاهنا جسده بغير روح (٢)، روى ابن أبي نجيح عن مجاهد بِبَدَنِكَ قال: معناه بجسدك (٣)، ونحوه قال الكلبي (٤).
وقال بعض المفسرين: إنه طفا عريانًا، وكان ناجيًا ببدنه المجرد لينظر إليه نكالًا من كان يعتقده إلهًا (٥)، قال ابن الأنباري: وعلى هذا القول أهل التفسير (٦)، والقول الأول في البدن [عليه أهل اللغة واختاره الكسائي (٧) أيضًا.
وقوله تعالى: لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً] (٨)، قال الكلبي: لتكون
(١) "الوسيط" ٢/ ٥٥٨، "مفاتيح الغيب" ١٧/ ١٦٤.
(٢) انظر: "تفسير ابن جرير" ١١/ ١٦٦، والثعلبي ٧/ ٢٧ أ، والبغوي ٤/ ١٤٩، والزمخشري ٢/ ٢٥٢، "الدر المنثور" ٣/ ٥٧٠، واختاره الأخفش ورد القول الأول، انظر كتاب "معاني القرآن" ١/ ٣٧٨.
(٣) رواه ابن جرير ١١/ ١٦٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٩٨٣، وابن المنذر وابن الأنباري في "المصاحف"، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" ٣/ ٥٧٠.
(٤) لم أقف عليه، ورواية الكلبي في "تنوير المقباس" ص ٢١٩ توافق القول السابق، وأن المراد بالبدن الدرع.
(٥) هذا قول الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٣٢.
(٦) يعني القول بأن المراد بالبدن الجسد.
(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" ٧/ ٢٧ أ.
(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي