ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ

*وجَاوزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْياً وعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ٩٠ آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ٩١ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ٩٢
هذه الآيات الثلاث في بيان العبرة بآخر القصة، وما كان من عاقبة تأييد الله لموسى وأخيه الضعيفين بأنفسهما، على فرعون وقومه أعظم أهل الأرض قوة ودولة.
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً قال أبو جعفر بن جرير الطبري : يقول تعالى ذكره لفرعون : فاليوم نجعلك على نجوة من الأرض ببدنك ينظر إليك من كذب بهلاكك. لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً يقول : لمن بعدك من الناس عبرة يعتبرون بك، فينزجرون عن معصية الله والكفر به، والسعي في أرضه بالفساد. والنجوة الموضع المرتفع من الأرض. ومنه قول أوس بن حجر :
فمن بعقوته كمن بنجوته***والمستكنُّ كمن يمشي بقرواح١
ثم ذكر روايته عمن قال بهذا القول، وقال أهل اللغة : سمي المكان المرتفع نجوة ونجاة وزاد بعضهم : منجى لأن من عليه ينجو من السيل، وإنما دفعه ودفعهم إلى تفسير الآية بهذا الوجه من اللغة أن إنجاء الإنسان من الغرق إنما يكون بخروجه حيا ببدنه ونفسه، كما تقدم قريبا في إنجاء نوح ومن معه في الفلك، وكل استعماله في القرآن بمعنى النجاة من العذاب، كإنجاء بني إسرائيل من فرعون وآله، وقال بعضهم : إن التعبير بالتنجية تهكم به، وأن الحكمة بذكر البدن أنه يخرج جسده سالما ليعرف. وقيل : إن المراد بالبدن الدرع، فهو من أسمائها في اللغة، وإنما محل العبرة أن يلفظه البحر ببدنه ليعرف فيعتبر بنو إسرائيل -الذي قيل إنهم شكوا في غرقه- ويعتبر القبط الذين عبدوه، ولذلك قيل : إن درعه كانت معروفة، وأنها من الذهب، أو كان له فوق درع الزرد درع أخرى من الذهب، ولكن الدروع تقتضي رسوب الغريق في البحر إلا أن يجرفه الموج. وأما العبرة لمن بعده فهي أعم : هي ما سيقت القصة لأجله من كونها شاهدا كالتي قبلها على صدق وعد الله لرسله، ووعيده لأعدائهم كطغاة مكة التي أنزلت هذه الآيات- بل هذه السورة كلها - لإقامة حجج الله عليهم في هذه المسألة قبل غيرهم، لأنهم أول من بلغته الدعوة.
وقوله تعالى : وإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ تعريض بهم، وأكده هذا التأكيد لما تقتضيه شدة الغفلة من قوة التنبيه، أي إنهم لشديدو الغفلة عنها على شدة ظهورها، فلا يتفكرون في أسبابها ونتائجها وحكم الله فيها، ولا يعتبرون بها، وإنما يمرون عليها معرضين كما يمرون على مسارح الأنعام، وفيه ذم للغفلة وعدم التفكر في أسباب الحوادث وعواقبها واستبانة سنن الله فيها للاعتبار والاتعاظ بها، ومن العجيب أن يكون أهل القرآن منهم، كلا، إنه حجة على الغافلين، بريء منهم.

١ يروى صدر البيت:
فـمن بـنجوته كـمـن بـعقـوته
والبيت من البسيط، وهو لعبيد بن الأبرص في ديوانه ص ١٥، ولسان العرب (قرح)، (نجا)، وكتاب العين ٣/٤٤، ٦/١٨٦، ومجمل اللغة ٤/٣٨٤، وديوان الأدب ٢/٧٣، وتهذيب اللغة ١١/ ٢٠١، وتاج العروس (قرح)، وأمالي القالي ١/١٧٧، ولأوس بن حجر في ديوانه ص ١٦، والشعر والشعراء ص ٢١٤، والأغاني ١١/٧٥، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٥/٣٩٨، والمخصص ٩/١٠٣..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير