ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
فإن كنت في شك( ١ ) مما أنزلنا إليك فسئل( ٢ ) الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين( ٣ )( ٩٤ ) :
والخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ونحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال من البداية إنه لا يشك في رسالته، وحين وعده أهله بالسيادة قال :" والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته " ( ٤ ).
نقول : إن الحق سبحانه وتعالى يضمر خطاب الأمة في خطاب رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الأتباع حين يقرأون ويسمعون الخطاب وهو موجّه بهذا الأسلوب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فهم لن يستنكفوا( ٥ ) عن أي أمر يصدر إليهم.
ومثال ذلك : لو أن قائدا يصدر أمرا لاثنين من مساعديه اللذين يقودان مجموعتين من المقاتلين، فيقول القائد الأعلى لكل منهما : إياك أن تفعل كذا أو تصنع كذا. والقائد الأعلى بتعليماته لا يقصد المساعدين له، ولكنه يقصد كل مرءوسيهم من الجند.
وجاء الأمر هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لتفهم أمته أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان ليتأبّى على أمر من أوامر الله، بل هو صلى الله عليه وسلم ينفّذ كل ما يؤمر به بدقة( ٦ ) ؛ وذلك من باب خطاب الأمة في شخصية رسولها صلى الله عليه وسلم.
وقول الحق سبحانه : فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك.. ( ٩٤ ) [ يونس ] : هذا القول دليل على أن الذين عندهم علم بالكتاب من السابقين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعرفون الحقائق الواضحة عن رسالته صلى الله عليه وسلم.
وإن الذين يكابرون ويكفرون برسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالته إنما يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. وقد قال عبد الله بن سلام :" لقد عرفت محمدا حين رأيته كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد " ( ٧ ).
لإذن : فالحق عندهم واضح مكتوب في التوراة( ٨ ) من بشارة به صلى الله عليه وسلم، وهذا يثبت أنك يا محمد صادق في دعوتك، بشهادة هؤلاء.
وينهي الحق سبحانه الآية بقوله تعالى : .. لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين( ٩٤ ) [ يونس ] : والحق القادم من الله تعالى ثابت لا يتغير ؛ لأنه واقع، والواقع لا يتعدد، بل يأتي على صورة واحدة.
أما الكذب فيأتي على صورة متعددة.
ولذلك فمهمة المحقّق الدقيق أن يقلّب أوجه الشهادات التي تقال أمامه في النيابة أو القضاء ؛ حتى يأتي حكمه مصيبا لا مدخل فيه لتناقض، ولا يعتمد على تخيّل أو أكاذيب.
وقول الحق سبحانه : لقد جاءك الحق.. ( ٩٤ ) [ يونس ] : إنما يدل على أن الذين قرأوا الكتاب قد عرفوا أنك رسول الله حقّا، ومنهم من ترك معسكر اليهودية، وجاء إلى معسكر الإيمان بك ؛ لأن الحق الذي جاء لا دخل للبشرية فيه، بل جاء من ربك :
.. فلا تكونن من الممترين( ٩٤ ) [ يونس ] : ومجيء الخطاب بهذا الشكل، هو كما قلت موجّه إلى الأمّة المؤمنة في شخص الرسول الله صلى الله عليه وسلم.
والحق سبحانه يقول : لئن أشركت ليحبطن عملك( ٩ ).. ( ٦٥ ) [ الزمر ] : هذا القول نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن غير المعقول أن يشرك النبي صلى الله عليه وسلم، وكل الآيات التي تحمل معاني التوجيه في الأمور المنزّه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصّة بأمته.
وأيضا يقول الحق سبحانه : ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين( ٩٥ ) [ يونس ] : والقول الحكيم ساعة يوجّه إلى الخير قد يأتي بمقابله من الشر ؛ لتتضح الأشياء بالمقارنة.
ونحن في حياتنا اليومية نجد الأب يقول لابنه : اجتهد في دروسك، واستمع إلى مدرّسيك جيدا حتى تنجح، فلا تكن مثل فلان الذي رسب، والوالد في هذه الحالة يأتي بالإغراء الخيّر، ويصاحبه بمقابله، وهو التحذير من الشر.
وقد قال شاعر :
فالوجه مثل الصّبح مبيضّ**** والشَّعر مثل الليل مسودُّ
ضدَّان لمَّا استجمعا حسنا **** والضّدُّ يظهر حسنه الضّدَّ( ١٠ )

١ المخاطب بهذه الآية محمد صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره، وكذلك الآية بعدها:ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين(٩٥)[يونس]، وقد تأول بعض العلماء الشك هنا بأنه ضيق الصدر، أي: إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر، واسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك يخبرونك صبر الأنبياء من قبلك على أذى قومهم وكيف عاقبة أمرهم.[تفسير القرطبي ٤/٣٣١٠]..
٢ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك: من أهل التوراة والإنجيل، كعبد الله بن سلام. وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم-لما نزلت هذه الآية-قال:"ما أشك ولا أسأل". وقد علم الله ذلك منه، ومخرج هذا القول، كقول الرجل لابنه: إن كنت ابني فبرني-من البر-أي: كن بارا بي. وهو لا يشك في أنه ابنه. من الممترين: الشاكين.[مختصر تفسير الطبري: ص ٢٤١]..
٣ امترى في الشيء: شك فيه ولم يستيقن. وتمارى القوم به: تجادلوا. وتمارى في الشيء: تشكك فيه. قال تعالى:فبأي آلاء ربك تتمارى(٥٥)[النجم] أي: تشكك، ويتضمن معنى التكذيب.[القاموس القويم] وراجع: لسان العرب مادة [مرى]..
٤ أورده ابن هشام في السيرة النبوية (١/٢٦٦) معزوا لابن إسحاق، أن قريشا قالوا لأبي طالب: يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين، فبعث أبو طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا بن أخي، إن قومك قد جاءوني، فقالوا لي كذا وكذا، فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المقالة..
٥ الاستنكاف: الامتناع تكبرا وأنفة. ومنه قوله تعالى:لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا(١٧٢)[النساء]..
٦ ومصداق ذلك قوله يسبحانه:فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم..(١٥)[الشورى]..
٧ ذكره ابن كثير في تفسيره(٢/١٩٤) أن عمر بن الخطاب سأل عبد الله بن سلام: أتعرف محمدا كما تعرف ولدك؟ قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته، وإني لا أدري ما كان من أمه..
٨ يقول تعالى:الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون(١٥٧)[الأعراف]
وعن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو، كان يقول: إن هذه الآية التي في القرآن:يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا(٤٥)[الأحزاب] هي في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك: التوكل، لست بفظ ولا غيظ ولا سخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن نقبضه حتى نقيم به الملة العوجاء حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا. أخرجه البخاري في كتاب التفسير(٨/٥٨٥ فتح) والبيهقي في الدلائل (١/٣٧٥)..

٩ أي: لئن أشركت بالله أحدا؛ ليبطلن عملك.[مختصر تفسير الطبري: ص٥٢٧] بتصرف. وحبوط الأعمال بطلانها وفسادها رغم تحصيلها. وأصله إذا حبطت الماشية. أي: تأكل فتكثر حتى تنتفخ بطونها ولا يخرج عنها ما فيها[انظر اللسان مادة: حبط]..
١٠ الأضداد: في ظهورها تظهر ميزات ما فيها، فنحن لا نعرف قيمة الحق إلا إذا تذوقنا مرارة الباطل، ولا نعرف قيمة النهار إلا إذا غشنا الليل في إظلامه، ولا نعرف جمال العدل إلا إذا اكتوينا بنار المظالم..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير