قال ابن عباس: يريد القرآن الذي جاء به محمد - ﷺ - (١) وعلى هذا، القرآن سمي علمًا؛ لأنه دليل مؤد إلى العلم، وقال الفراء: العلم يعني به محمدًا - ﷺ - وصفته (٢)، وعلى هذا أريد بالعلم المعلوم، وذلك أنهم كانوا يعملونه قبل خروجه بنعته وصفته حق العلم، هذا الذي ذكرنا مذهب عامة أهل التأويل (٣).
وقال الحسن (٤) وابن زيد (٥): قوله: فَمَا اخْتَلَفُوا يعني أنهم كانوا قبل مبعث محمد - ﷺ - كانوا كفارًا كلهم، حتى جاءهم العلم فاختلفوا بأن آمن فريق وكفر فريق، فنفي الاختلاف في القول الأول يعود إلى التصديق بمحمد - ﷺ - قبل مبعثه، وفي قول الحسن وابن زيد نفي الاختلاف عن كفرهم ثم ظهر الاختلاف بإيمان بعضهم، والقول هو الأول.
وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، قال ابن عباس: يريد: من أمرك (٦).
٩٤ - قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الآية، معنى الشك في موضوع (٧) اللغة: ضم بعض الشيء إلى بعض، يقال: شك
(٢) "معاني القرآن" ١/ ٤٧٨.
(٣) يعني الذين ذهبوا مذهبه في المراد ببني إسرائيل هنا، وقد سبق ذكر الخلاف.
(٤) ساقط من (ح) و (ز) ولم أقف على قوله، وقد ذكر هذا القول بلا نسبة الرازي في "تفسيره" ١٧/ ١٥٩.
(٥) روى قوله ابن جرير ١١/ ٦٧ بمعناه.
(٦) ذكره المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥٥٩ بلا نسبة.
(٧) في (ح) و (ز): (موضع).
الجواهر في العقد: إذا ضم بعضها إلى بعض، وشككت الصيد: إذا رميته فنظمت يده إلى يده أو رجله إلى رجله، لا يكون الشك إلا كذلك والشكائك من الهوادج (١): ما شك بعضها في بعض، والشكاك: البيوت المصطفة، والشكائك الأدعياء؛ لأنهم يشكون أنفسهم إلى قوم ليسوا منهم، أي: يضمون، وشك الرجل في السلاح إذا دخل فيه وضمه إلى نفسه [وألزمه إياها (٢)، فإذا قالوا شك فلان في الأمر أرادوا أنه وقف نفسه] (٣) (٤) بين شيئين فيجوّز هذا (٥) ويجوّز ذاك، فهو يضم إلى ما يتوهمه شيئًا آخر خلافه (٦).
واختلفوا في هذا الخطاب لمن هو؟ فقال أكثر أهل العلم: هذا الخطاب للرسول -عليه السلام- والمراد غيره من الشكاك (٧)؛ لأن القرآن نزل عليه بمذاهب العرب كلها، وهم قد يخاطبون الرجل بالشيء يريدون غيره،
(٢) أي ألزم نفسه السلاح.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).
(٤) في (ح) و (ز): (من).
(٥) ساقط من (ى).
(٦) انظر: "تهذيب اللغة" (شك) ٢/ ١٩١٤ - ١٩١٥، "اللسان" (شك) ٤/ ٢٣٠٩ - ٢٣١٠.
(٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٣٢، "تفسير ابن جرير" ١١/ ١٦٨ - ١٦٩، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٢٠٤ - ٢٠٥، "تأويل مشكل القرآن" له ص ٢٧٠، "معاني القرآن" للنحاس ٣/ ٣١٦، "المحرر الوجيز" ٧/ ٢١٧.
وكذلك يقول متمثلهم: إياك أعني واسمعي يا جارة (١)، ومثل هذا قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ [الأحزاب: ١] الآية، الخطاب للنبي - ﷺ - والمراد بالوصية والعظة المؤمنون، يدل علي ذلك قوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [الأحزاب: ٢] ولم يقل بما تعمل.
وقال أبو إسحاق: إن الله -عز وجل- يخاطب النبي - ﷺ - وذلك الخطاب شامل للخلق، والمعنى فإن كنتم في شك فاسألوا (٢)، والدليل علي ذلك قوله في آخر السورة: إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ [يونس: ١٠٤] الآية، فَأعْلَم الله أن نبيه ليس في شك، وأمره أن يتلو عليهم ذلك، وهذا أحسن الأقوال. انتهى كلامه (٣)، وهذا (٤) الذي ذكرنا مذهب ابن عباس (٥)، والحسن (٦)، وأكثر أهل التأويل (٧).
قال ابن عباس في هذه الآية: لم يرد النبي - ﷺ -؛ لأنه لم يشك في الله، ولا فيما أوحى إليه، ولكن يريد من آمن به وصدقه، أمرهم أن يسألوا لئلا ينافقوا كما شك المنافقون.
(٢) في (ح) و (ز): (قالوا)، وهو خطأ.
(٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٣٢ بتصرف واختصار.
(٤) في (ح) و (ز): (وهو)، وهو خطأ.
(٥) سيأتي تخريج قوله.
(٦) رواه ابن الأنباري في "المصاحف" كما في "الدر المنثور" ٣/ ٥٧١.
(٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٣٢، "تفسير ابن جرير" ١١/ ١٦٨ - ١٦٩، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٢٠٤ - ٢٠٥، "تأويل مشكل القرآن" له ص٢٧٠، "معاني القرآن" للنحاس ٣/ ٣١٦، "المحرر الوجيز" ٧/ ٢١٨.
وقال ابن قتيبة: الناس كانوا في عصر النبي - ﷺ - أصنافًا؛ منهم كافر به مكذب لا يرى إلا أن ما جاء به الباطل، وآخر: مؤمن به مصدق يعلم أن ما جاء به الحق، وشاك في الأمر لا يدري كيف هو، فهو يقدم رجلاً ويؤخر رجلاً، فخاطب الله هذا الصنف من الناس فقال: فإن كنت أيها الإنسان (١) في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد - ﷺ - فأسأل، قال: ووحد وهو يريد الجمع، كما قال: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦]، و أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ [الانشقاق: ٦]، فَإِذَا (٢) مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ [الزمر: ٤٩]، ولم يرد في جميع هذا (٣) إنسانًا بعينه إنما هو لجماعة الناس، قال: وهذا وإن كان جائزًا حسنًا، فإن المذهب الأول (٤) أعجب إليّ؛ لأن الكلام اتصل حتى قال: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩]، وهذا لا يجوز أن يكون إلا لرسول الله - ﷺ - (٥)، فجعل ابن قتيبة (٦) هذا الذي ذكره جوابًا آخر، ثم (٧) اعترض عليه بما ذكر، والأولى أن يقال: الخطاب للنبي - ﷺ - والمراد به هذا الصنف الشاك الذي ذكره ابن قتيبة، فيكون هذا تأكيدًا وبيانًا للقول الأول، ويسقط ذلك الاعتراض الذي ذكر. وذكروا في هذه الآية أقوالًا متكلفة بعيدة فلم
(٢) في (م): (وإذا)، وهو صواب موافق للآية ٨ من سورة الزمر.
(٣) في (ى): (هذا الجميع).
(٤) "الوسيط" ٢/ ٥٥٩، ومعناه في "تنوير المقباس" ص ٢١٩.
(٥) يعني أن الخطاب للرسول - ﷺ - والمراد غيره.
(٦) "تأويل مشكل القرآن" ص ٢٦٩ - ٢٧٤ باخصار.
(٧) ساقط من (ح) و (ز).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي