(لكم دينكم) مستأنفة لتقرير قوله لا أعبد ما تعبدون وقوله ولا أنا عابد ما عبدتم كما أن قوله (ولي دين) تقرير لقوله (ولا أنتم عابدون ما أعبد) في الموضعين أي إن رضيتم بدينكم وشرككم فقد رضيت بديني وتوحيدي كما في قوله (لنا أعمالنا ولكم أعمالكم) والمعنى أن دينكم الذي هو الإشراك مقصور على الحصول لكم لا يتجاوزه إلى الحصول لي كما تطمعون، وديني الذي هو التوحيد مقصور على الحصول لي لا يتجاوزه إلى الحصول لكم.
صفحة رقم 423
وقيل المعنى لكم جزاؤكم ولي جزائي، لأن الدين الجزاء.
قيل وهذه الآية منسوخة بآية السيف، وقيل ليست بمنسوخة لأنها إخبار، والإخبار لا يدخلها النسخ، وقيل السورة كلها منسوخة.
وقال القاضي: (ولي ديني) الذي أنا عليه لا أرفضه، فليس فيه إذن في الكفر، ولا منع عن الجهاد فلا يكون منسوخاً بآية القتال، وقد فسر الدين بالحساب والجزاء والعبادة.
وقال الحافظ بن القيم في البدائع: وقد غلط في السورة خلائق وظنوا أنها منسوخة بآية السيف لاعتقادهم أن هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم، وظن آخرون أنها خصوصة بمن يقرون على دينهم وهم أهل الكتاب، وكلا القولين غلط محض فلا نسخ في السورة ولا تخصيص، بل هي محكمة عمومها نص محفوظ، وهي من السور التي يستحيل دخول النسخ فيها.
وهذه السورة أخلصت للتوحيد، ولهذا تسمى سورة الإخلاص، والآية اقتضت البراءة المحضة وإن ما أنتم عليه من الدين لا أوافقكم عليه فإنه دين باطل، فهو مختص بكم لا نشرككم فيه، ولا تشركوننا في ديننا الحق، فهذا غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم، فأين الإقرار حتى يدعى النسخ والتخصيص؟ أفترى إذا جوهدوا بالسيف كما جوهدوا بالحجة لا يصح أن يقال لهم لكم دينكم ولي دين.
بل هذه الآية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يطهر الله منهم بلاده وعباده وكذلك حكم هذه البراءة بين أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهل سنته وبين أهل البدع المخالفين لما جاء به الداعين إلى غير سنته إذ قال لهم خلفاء الرسول وذريته لكم دينكم ولنا ديننا هذا فلا يقتضي إقرارهم على بدعهم بل يقولون لهم هذا براءة منها وهم مع ذلك منتصبون للرد عليهم ولجهادهم بحسب الإمكان انتهى حاصله.
وقرأ الجمهور (ولي) بإسكان الياء وحذف الياء من (ديني) وصلاً ووقفاً، وقرىء بفتح الياء من قوله لي وإثباتها من ديني وصلاً ووقفاً وقالوا لأنها إسم فلا تحذف، ويجاب بأن حذفها لرعاية الفواصل سائغ وإن كانت اسماً، ويجاب أيضاًً بأنها من ياءات الزوائد فيراعى فيه اتباع رسم المصحف، وهي غير ثابتة فيه اكتفاء بالكسرة.
صفحة رقم 425
سورة النصر
وتسمى سورة التوديع، وهي ثلاث آيات وهي مدنية بالإجماع بلا خلاف قال ابن عباس أنزل بالمدينة إذا جاء نصر الله والفتح وعن ابن عمر قال هذه السورة " نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أوسط أيام التشريق بمنى وهو في حجة الوداع (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) حتى ختمها فعرف رسول الله - ﷺ - أنها الوداع " أخرجه البزار وأبو يعلى والبيهقي (١).
وعن ابن عباس قال: لما نزلت (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) قال رسول الله - ﷺ -: " نعيت إليّ نفسي " أخرجه أحمد وغيره، وزاد ابن مردويه في لفظ: وقرب إليّ أجلي، وفي لفظ لما نزلت نعيت لرسول الله - ﷺ - نفسه حين أنزلت فأخذ في أشد ما كان قط اجتهاداً في أمر الآخرة.
وعن أم حبيبة قالت: لما أنزل (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - " إن الله لم يبعث نبياً إلا عمر من أمته شطر ما عمر النبي الماضي قبله، فإن عيسى بن مريم كان أربعين سنة في بني إسرائيل وهذه لي عشرون سنة وأنا ميت في هذه السنة فبكيت فاطمة - رضي الله تعالى عنها - فقال النبي - ﷺ - أنت أول أهلي بي لحوقاً فتبسمت " أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه.
_________
(١) روى البخاري في " صحيحه " ٨/ ٥٦٥: عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأنَّ بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟! فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله - ﷺ - أعلمه له، قال: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) وذلك علامة أجلك (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول.
قال الحافظ ابن حجر في " الفتح ": وفي الحديث فضيلة ظاهرة لابن عباس، وتأثير لإجابة دعوة النبي - ﷺ - أن يعلمه الله التأويل ويفقهه في الدين، وفيه جواز تحديث المرء عن نفسه بمثل هذا، لإظهار نعمة الله عليه، وإعلام من لا يعرف قدره لينزله منزلته، وغير ذلك من المقاصد الصالحة، لا للمفاخرة والمباهاة، وفي جواز تأويل القرآن بما يفهم من الإشارات، وإنما يتمكن من ذلك من رسخت قدمه في العلم، ولهذا قال علي - رضي الله عنه -: أو فهماً يؤتيه الله رجلاً في القرآن.
وعن ابن عباس قال لما نزلت (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) دعا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فاطمة وقال: " إنه قد نعيت إليّ نفسي فبكت ثم ضحكت، وقالت أخبرني أنه نعيت إليه نفسي فبكيت، فقال اصبري فإنك أول أهلي لحاقاً بي فضحكت " أخرجه البيهقي " (١).
ولقد تقدم في سورة الزلزلة أن هذه السورة تعدل ربع القرآن وهي آخر سورة نزلت جميعاً.
_________
(١) روى مسلم في " صحيحه " رقم (٣٠٢٤) عن عبيد الله بن عتبة، قال: قال لي ابن عباس: تعلم (وقال هارون: تدري) آخر سورة نزلت في القرآن، نزلت جميعاً؟
قلت: نعم (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) قال: صدقت، قال مسلم: وفي رواية ابن أبي شيبة (أحد الرواة): تعلم أي سورة، ولم يقل: آخر. قال الحافظ في " الفتح " ٨/ ٥٦٤: وأخرج النسائي من حديث ابن عباس أنها آخر سورة نزلت في القرآن، قال: وقد تقدم في تفسير (براءة) أنها آخر سورة نزلت، قال: والجمع بينهما أن آخرية سورة النصر، نزولها كاملة، بخلاف (براءة)، فالمراد نزول بعضها أو معظمها، وإلا ففيها آيات كثيرة نزلت قبل سنة الوفاة النبوية، وأوضح في ذلك أن أول (براءة) نزل عقب فتح مكة في سنة تسع عام حج أبي بكر، وقد نزل (اليوم أكملت لكم دينكم) وهي في (المائدة) في حجة الوداع سنة عشر، فالظاهر أن المراد معظمها، ولا شك أن غالبها نزل في غزوة تبوك، وهي آخر غزوات النبي - ﷺ -.
-[٤٢٩]-
هذا بالنسبة للسورة، وأما بالنسبة لآخر آية نزلت، فقد روى البخاري عن ابن عباس: آخر آية نزلت على النبي - ﷺ - آية الربا وفي " الفتح ": وجاء عن ابن عباس أيضاًً من وجه آخر: " آخر آية نزلت على النبي - ﷺ -: (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله) أخرجه الطبري من طرق. قال الحافظ: وطريق الجمع بين هذين القولين أن هذه الآية ختام الآيات المنزلة في الربا، وهي معطوفة عليهن، ثم قال: وأما ما سيأتي في آخر سورة (النساء) من حديث البراء: آخر آية نزلت (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) فيجمع بينه وبين قول ابن عباس، بأن الآيتين نزلتا جميعاً، فيصدق أن...
بسم الله الرحمن الرحيم
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣) صفحة رقم 429فتح البيان في مقاصد القرآن
أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي
عبد الله بن إبراهيم الأنصاري