ﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕ

ويقول الحق سبحانه وتعالى مواصلا ما جاء على لسان سيدنا نوح : ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب١ ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين ( ٣١ ) :
وهكذا يسد نوح-عليه السلام- على هذا الملأ الكافر كل أسباب إعراضهم عن الإيمان، فإن ظنوا أن الإيمان يتطلب ثراء، فنوح لا يملك خزائن الله، وهو لا يملك أكثر من هذا الملأ، وإن طلبوا أن يكشف لهم الغيب، فالغيب علمه عند الله تعالى وحده.
ولم يدع نوح أنه من جنس آخر وغير البشر، إنما هو بشر مثلهم، لا يملك ما يجبرهم به على الطاعة، ثراء، أو جاها، أو علم غيب.
ولن يطرد نوح عليه السلام من آمن من الضعاف الذين تزدريهم وتحتقرهم وتتهكم عليهم عيون هذا الملأ الكافر ؛ لأن نوحا يخشى سؤال الله –عز وجل- له إن سد في وجوه الضعاف أبواب الإيمان.
ولا بد من وقفة هنا عند قول الحق سبحانه : ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري٢ أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا... ( ٣١ ) [ هود ] : ونلحظ هنا أن الخطاب قد حول إلى الغيبة٣، فلم يخاطب نوح عليه السلام الضعاف ويقول لهم : إن الله سيمنع عنكم الخير، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى هو العليم بما في نفوسهم، ولو قال نوح لهم مثل هذا القول لكان من الضالمين.
اللام في كلمة للذين تعني الحديث عن الضعاف، لا حديثا إلى الضعاف.
ومجيء " اللام " بمعنى " عن " له نظائر٤، مثل قول الحق سبحانه : ... وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين ( ٤٣ ) [ سبأ ] : وهم هنا لا يقولون للحق، ولكنهم يقولون عن الحق، وهكذا جاءت " اللام " بمعنى " عن " ٥.
وهكذا أوضح نوح- عليه السلام- أنه لو طرد من يقال عنهم " أراذل "، لكان معنى ذلك أنه يعلم النوايا، ونوح- عليه السلام- يعلم يقينا أن الله هو الأعلم بما في النفوس ؛ لذلك لا يضع نوح نفسه في موضع الظلم لا لنفسه ولا لغيره.

١ - غاب الشيء يغيب غيبا وغيبة وغيابا وغيوبا يعد فهو غائب، والجمع غيب وغياب. والغيب كل ما غاب عنك، وجمعه غيوب وفي التنزيل: د.. علام الغيوب (١٠٩)} [المائدة] وقوله تعالى: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين (٥٩) [الأنعام]..
٢ - تزدري: تحتقر. والازدراء: الاحتقار والانتقاص والعيب [لسان العرب].
٣ - وهذا يعرف في أساليب البلاغة بالالتفات، وهو نقل الكلام من أسلوب إلى آخر، أي: من المتكلم أو الخطاب أو الغيبة إلى آخر منها، بعد التعبير بالأول. (انظر الإتقان في علوم القرآن- للسيوطي) (٣/٢٥٣)..
٤ -من أمثلة اللام بمغنى "عن" أيضا، قوله تعالى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه...(١١) [الأحقاف] أي: عنهم وفي حقهم، لا أنهم خاطبوا به المؤمنين، وإلا لقيل: "ما سبقتمونا"..
٥ - اللام: حرف يجر الظاهر والمضمر، ويؤدي عدة معان منها: انتهاء الغاية، والملك، وشبه الملك، والدلالة على التمليك، والدلالة على شبه التمليك، والدلالة على النسب، والتعدية المجردة، والتعليل، والتوكيد المحض، والتقوية، والدلالة على القسم والتعجب معا، والدلالة على التعجب بغير قسم، والدلالة على العاقبة المنتظرة، والدلالة على التبليغ، والدلالة على التبيين، وأن تكون بمعنى "بعد"، وأن تكون بمعنى "قبل" وأن تكون بمعنى "من البيانية"، وأن تكون للمجاوزة (بمعنى: عن)، وأن تكون لتوكيد النفي، وأن تكون بمعنى "مع"، وأن تكون بمعنى "عند"... وانظر تفصيل ذلك في [النحو الوافي: [٢/٤٧٢-٤٨١)]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير