قوله : وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ الله بين لهم أنه كما لا يطلب منهم شيئاً من أموالهم على تبليغ الرسالة، كذلك لا يدّعي أن عنده خزائن الله حتى يستدلوا بعدمها على كذبه، كما قالوا : وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ والمراد بخزائن الله : خزائن رزقه وَلا أَعْلَمُ الغيب أي : ولا أدّعي أني أعلم بغيب الله، بل لم أقل لكم إلا أني نذير مبين، إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم وَلا أَقُولُ لكم إِنّي مَلَك تقولوا ما نراك إلا بشراً مثلنا. وقد استدلّ بهذا من قال : إن الملائكة أفضل من الأنبياء، والأدلة في هذه المسألة مختلفة، وليس لطالب الحق إلى تحقيقها حاجة، فليست مما كلفنا الله بعلمه وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ أي : تحتقر، والازدراء مأخوذ من أزرى عليه : إذا عابه، وزري عليه : إذا احتقره، وأنشد الفراء :
| يباعده الصديق وتزدريه | خليلته وينهره الصغير |
وأخرج أبو الشيخ، عن عطاء، مثله. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله : إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن ربّي قال : قد عرفتها وعرفت بها أمره، وأنه لا إله إلا هو، وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِه قال : الإسلام الهدى والإيمان، والحكم والنبوّة. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله : أَنُلْزِمُكُمُوهَا قال : أما والله لو استطاع نبيّ الله لألزمها قومه، ولكنه لم يستطع ذلك ولم يمكنه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ «أنلزمكموها من شطر أنفسنا وأنتم لها كارهون». وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية، قال في قراءة أبيّ :«أنلزمكموها من شطر أنفسنا وأنتم لها كارهون». وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن أبيّ بن كعب، أنه قرأ :«أنلزمكموها من شطر قلوبنا».
وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله : وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الذين آمَنُواْ ، قال : قالوا له : يا نوح، إن أحببت أن نتبعك فاطردهم، وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأرض سواء، وفي قوله : إِنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ قال : فيسألهم عن أعمالهم وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ الله التي لا يفنيها شيء، فأكون إنما دعوتكم لتتبعوني عليها، لا أعطيكم بملكه لي عليها وَلا أَعْلَمُ الغيب لا أقول : اتبعوني على علمي بالغيب وَلا أَقُولُ إِنّي مَلَك نزلت من السماء برسالة، ما أنا إلا بشر مثلكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ . قال : حقرتموهم. وأخرج أبو الشيخ، عن السدي، في قوله : لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْرًا قال : يعني : إيماناً. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا قال : تكذيباً بالعذاب، وأنه باطل.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني