ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ

{ ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ( ٤٥ ) قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ( ٤٦ ) قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ( ٤٧ ) ]
هذه الآيات الثلاث في مسألة فرعية من قصة نوح لا من صلب القصة وأصول وقائعها ولكنها تدخل في العقائد وأصول الدين من بابين اثنين لا من باب واحد، أحدهما : باب الإلهيات بما فيها من حكم الله وعدله وسنته في خلقه بلا محاباة لولي ولا نبي، وثانيهما : اجتهاد الأنبياء وجواز الخطأ فيه وعده ذنبا عليهم بالإضافة إلى مقامه ومعرفتهم بربهم- وهي ما عرض له عليه السلام من الاجتهاد في أمر ابنه الذي تخلف عن السفينة وكان من المغرقين كما مر في الآية ٤٣ وكان ظاهر الترتيب أن تجعل بعدها فتكون ٤٤ ووجه هذا التقديم والتأخير بينهما الذي اقتضته البلاغة العليا، والحكمة البالغة المثلى، هو أن قدمت الآية المتممة لأصل القصة المبينة لوجه العبرة فيها بأروع التعبير، الذي يقرع أبواب القلوب بأبلغ قوارع التأثير، فكان اتصالها بها كاتصال الموجب بالسالب من الكهربائية التي يتولد به البرق الذي يخطف الأبصار، والصاعقة التي تمحق ما تصيبه من الأشياء والأشخاص.
فالآية الثالثة والأربعون تصور لقارئها وسامعها نكبة الطوفان بأعظم الصور هولا ورعبا ودهشا تطيش لها الألباب، وتحار في تصور كشفها وما يؤول إليه أمرها الأخيلة والأفكار، فتتلوها الآية الرابعة والأربعون فتكون الفاصلة بكشف ذلك الكرب العظيم بكلمتين وجيزتين من كلمات التكوين الإلهي قضي بهما الأمر بنجاة المؤمنين الصالحين، وهلاك المشركين الظالمين، ولو فصل بينهما بهذه الآيات الثلاث [ ٤٥-٤٧ ] اللواتي وضعن بعدهما، لضاع تسعة أعشار بلاغتهما وتأثيرهما في العبرة والموعظة المقصودة من القصة كلها، التي كانت كاشتعال الكهرباء مظهرا لسرعة مشيئته تعالى في كشف الكرب، فكان منها نور ظهرت به رحمته في إنجاء السفينة وأهلها المؤمنين، وصاعقة محقت جميع الظالمين.
قال يا نوح إنه ليس من أهلك الذين أمرتك أن تسلكهم في السفينة لإنجائهم، وفسر هذا النفي وعلله أو وجهه بقوله تعالى : إنه عمل غير صالح قرأ الجمهور " عمل " برفع اللام والتنوين على المبالغة في التشبيه كرجل عدل كأنه لفساده واجتنابه للصلاح والتزامه العمل غير الصالح نفس العمل كما قالت الخنساء في وصف الناقة :
ترتع ما رتعت حتى إذا ذكرت فإنما هي إقبال وإدبار١
وقرأ الكسائي ويعقوب بصيغة الفعل الماضي بتقدير عمل عملا غير صالح، والأول أبلغ والمراد أنه كان كافرا يعمل عمل الكافرين، والكفر يقطع الولاية بين المؤمنين والكافرين من الأقربين، ويوجب براءة بعضهم من بعض، كما قال تعالى : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم [ الممتحنة : ٤ ] كما أن الإيمان يوجب الولاية بين المؤمنين الأبعدين – بله الأقربين- كما قال عز وجل : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض [ التوبة : ٧١ ].
وقيل إن معنى الجملة : إن سؤالك إياي يا نوح عنه وطلبك لنجاته عمل غير صالح لا أرضاه لك رواه ابن جرير عن ابن عباس وما أراه يصح عنه، وقيل إنه كان ولد زنا أو كان ولد غيره من امرأته وهو ظاهر البطلان لأن الله تعالى سماه ابنه.
فإن قيل : كيف وقع هذا من نوح عليه السلام وقد استثنى الله تعالى من أهله الذين وعده بنجاتهم فقال : وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم [ المؤمنون : ٢٧ ] ولا يعزب عن علمه أن الذين سبق عليهم القول هم الكافرون الذي قضى الله بهلاكهم بعد دعائه عليهم بقوله رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [ نوح : ٢٦ ] وكانت امرأته وابنه هذا منهم، ولا يعقل أن يخفى عليه أمرهما ؟ ولكن امرأته لم تذكر في قصته وإنما ذكرت في سورة التحريم مع امرأة لوط في خيانة زوجيهما ودخولهما النار، واستثنيت امرأة لوط من النجاة مع المؤمنين في قصته.
قلنا : يحتمل أن يكون حين رأى ابنه بمعزل عن الكفار، ظن أنه قد بدا له في كفره فكرهه وجنح للإيمان، ويحتمل أن يكون قد فهم أنه غير داخل في عموم قوله تعالى له : إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن [ هود : ٣٦ ] لأنه تعالى جعل الناجين قسمين أهله إلا من استثنى، ومن آمن من قومه، فجاز في فهمه أن يؤمن من أهله من كان كافرا لأنهم قسيم لقومه لا قسم منهم، ووافق هذا الفهم وقواه رحمة الأبوة فسأل الله تعالى أن يحققه، ولما كان هذا اجتهادا ظنيا لا يليق بنبي رسول من أولي العزم أن يخاطب به ربه عاتبه تعالى وأدبه عليه بقوله :
فلا تسألن ما ليس لك به علم أي فلا تسألني في شيء ما من الأشياء ليس لك به علم صحيح أنه حق وصواب، سمى دعاءه سؤالا لأنه تضمن ذكر الوعد بنجاة أهله وما رتبه عليه من طلب نجاة ولده، وقرأ ابن كثير تسألن بفتح اللام وتشديد النون المفتوحة، وابن عامر بتشديدها مكسورة وكذا نافع مع إثبات الياء. وهذا النهي يدل على أنه يشترط في الدعاء أن يكون بما هو جائز في شرع الله وسننه في خلقه، فلا يجوز سؤال ما هو محرم وما هو مخالف لسنن الله القطعية بما يقتضي تبديلها ولا تحويلها وقلب نظام الكون لأجل الداعي، ولكن يجوز الدعاء بتسخير الأسباب، وتوفيق الأقدار للأقدار، والهداية إلى العلم بالمجهول من السنن والنظام، مع ما يؤدي إلى ذلك من الأعمال – كما فصلناه من قبل.
إني أعظك أن تكون من الجاهلين أي أنهاك أن تكون من زمرة الجاهلين الذين يسألون أن يبطل تعالى تشريعه أو حكمته وتقديره في خلقه إجابة لشهواتهم وأهوائهم في أنفسهم أو أهليهم ومحبيهم. وأجهل منهم وأضل سبيلا من يسألون بعض الصالحين عندهم ما نهى الله عنه نبيا من أولي العزم من رسله أن يسأله إياه كان هؤلاء الصالحون يعطونهم أو يتوسلون إلى الله أن يعطيهم ما لم يعط مثله لرسله، بل ما عد طلبه منه ذنبا من ذنوبهم أمرهم بالتوبة منه وعدم العودة إلى مثله كما يدل عليه الوعظ هنا بمعونة قوله تعالى : يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين [ النور : ١٧ ] وتقدم معنى الوعظ في تفسيره [ ١٠ : ٥٧ ج١١ ].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:علاوات لتفسير قصة نوح عليه السلام
العلاوة الأولى : البلاغة الفنية في الآية ٤٣
سبق لنا أن قلنا في الكلام على إعجاز القرآن ببلاغته ومذهب المتكلمين وأدباء الفنون في التحدي به : إن هذا النوع من الإعجاز يقل من يفقهه في هذا العصر لفقد أهله ملكتي البلاغة الذوقية السليقية والبيانية الفنية بله الجمع بينهما، وهو ضروري لإدراك هذا النوع من الإعجاز، وإن من يفقهه ويدرك عدم استطاعة أحد أن يأتي بسورة مثله قد يخفى عليه وجه دلالته على أنه لا بد أن يكون وحيا من الله تعالى وحجة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك جزموا بوقوع العجز واختلفوا في وجه الدلالة، فمثلهم كمثل حداق الفنانين في الوشي والتطريز إذا رأوا صنع قدماء الهنود من أهل لاهور وكشمير وأقروا بالعجز عن محاكاته، والمصورين إذا رأوا أدق صور رفائيل في تصوير الإنسان بأدق مناظر أعضائه وشمائله وملامح صفاته النفسية وإمارات انفعالاته ولا سيما المتقاربة كالخوف والفزع والحزن والغم والغضب ونظر الإقرار ونظر الإنكار ونظر الشهوة ونظر العطف ونظر الرحمة ونظر الإعجاب والعجب ونظر المتفكر والمتحير، فقد يقرون بعجزهم عن محاكاتها ولكنهم لا يقولون بعدم إمكانها، بل يقولون بإمكانها وبقرب وقوعها بالفعل إذا وجدت الداعية القوية كمنفعة مالية كبيرة أو مصلحة قومية أو دولية عظيمة.
ومن المعلوم من تاريخ النبي صلى الله عليه وسلم مع فصحاء قريش وغيرهم أنه حدثت لهم أعظم الدواعي والمصالح المعارضة للقرآن بعد تحديثهم بسورة مثله مطلقا والتحدي بعشر سور في المكرر ولو مفترى، فأيقنوا بعجزهم عن الإتيان بها وبهن، ولو ظاهرهم عليه جميع الإنس عن كثرة بلغائهم وفصحائهم، والجن الذين يعتقدون أن منهم هواجس تلقنهم الشعر من حيث لا يرونهم، وكذا آلهتهم القادرون بخصائصهم الغيبية أو بمكانتهم عند الله تعالى على كل ما يريدون في هذا العالم بزعمهم، قد عجزوا مع هذا كله واضطروا إلى مقاومة النبي بالقتال، وما أعقبهم من خسارة المال، وسبي النساء والأطفال، ثم ما هو أشد عليهم وهو احتمال الذل والنكال، وروي أن كبراءهم زعموا على التعاون على المعارضة واستعدوا لها فسمعوا هذه الآية [ وقيل يا أرض ] فتضاءلت قواهم واستخذت أنفسهم ورجعوا عن عزمهم، كما يأتي قريبا.
عرف بلغاء قريش من بلاغة هذه الآية الروحية الكامنة في فصاحتها اللفظية الظاهرة وغيرها ما لم يعرفه بلغاء الفنون بعدهم منها، فكان هؤلاء أعلم بما للحسن والجمال الصوري في الكلام من المقاييس الفلسفية والموازين الفنية ودرجات الراجح على المرجوح. وكان أولئك أدق شعورا بما لهذا الحسن والجمال من السلطان على القلوب والحكم على العقول. مثال ذلك أن للجمال البدني في حسان النساء مقاييس وموازين لتناسب الأعضاء بعضها مع بعض يمكن ضبطها والعدل في الحكم بينها. وأما الجمال المعنوي وهو خفة الروح وسلطان التأثير في القلوب، فليس له مقياس، ولا ميزان عشري يضبط به وزنه أو مساحته فيعرف الراجح من المرجوح، وإنما يعرف هذا الجمال الأعلى بملكة نفسية، لا بأوزان صناعية، كما قال أبو الطيب في الخيل :
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها وأعضائها فالحسن عنك مغيب١
وإنما أحدث القرآن في الأمة العربية ما أحدث من الثورة الدينية والاجتماعية والانقلاب العالمي بالنوع الثاني من إدراك بلاغته لا الأول، وكل منها كامل من بابه، كما بينا ذلك في موضعه من عهد قريب، وإن كثرة البحث في الثاني ليشغل المفسر والمتدبر عن الأول الخاص منه بالهداية وإصلاح النفس وتزكيتها، ولهذا نقتصر منه في تفسيرنا على ما قصر فيه المفسرون باختصار لا يشغل عن الهداية المقصودة بالذات، وقد نجعله من باب الاستطراد بعد بيان معنى الآية أو الآيات، ولهذا جعلت ما أحببت بيانه في بلاغة هذه الآية الفنية علاوة من هذه العلاوات، وقد أطال العلماء الأخصائيون فيها حتى أفردها بعضهم بمصنفات خاصة، وتكلم صاحب [ الطراز في علوم الإعجاز ] عليها في ٢٥ صفحة، ولعله أحسنهم فيها كلاما، وإن كان السكاكي هو السابق إليه وكلهم فيه عيال عليه، وذكر بعض المفسرين جملا مختصرة أو وسطا منه أنقل منها هنا ما لخصه السيد الآلوسي في روح المعاني من كلام السكاكي وغيره بتصرف كعادته قال :
واعلم أن هذه الآية الكريمة قد بلغت من مراتب الإعجاز أقاصيها، واستدلت مصاقع العرب فسفعت بنواصيها، وجمعت من المحاسن ما يضيق عنه نطاق البيان، وكانت من سمهري البلاغة مكان السنان.
يروى أن كفار قريش قصدوا أن يعارضوا القرآن فعكفوا على لباب البر ولحوم الضأن وسلاف الخمر أربعين يوما لتصفوا أذهانهم، فلما أخذوا فيما قصدوه وسمعوا هذه الآية قال بعضهم لبعض : هذا الكلام لا يشبه كلام المخلوقين، فتركوا ما أخذوا فيه وتفرقوا. ويروى أيضا أن ابن المقفع وكان –كما في القاموس- فصيحا بليغا، بل قيل إنه أفصح أهل وقته- رام أن يعارض القرآن فنظم كلاما وجعله مفصلا وسماه سورا، فاجتاز يوما بصبي يقرؤها في مكتب فرجع ومحا ما عمل، وقال أشهد أن هذا لا يعارض أبدا وما هو من كلام البشر. ولا يخفى أن هذا لا يستدعي أن لا يكون سائر آيات القرآن العظيم معجزا لما أن حد الإعجاز هو المرتبة التي يعجز البشر عن الإتيان بمثلها ولا تدخل على قدرته قطعا وهي تشتمل على شيئين : الأول الطرف الأعلى من البلاغة أعني ما ينتهي إليه البلاغة ولا يتصور تجاوزها إياه، والثاني ما يقرب من ذلك الطرف أعني المراتب العلمية التي تتقاصر القوى البشرية عنها أيضا.
ومعنى إعجاز آيات الكتاب المجيد بأسرها هو كونها مما تتقاصر القوى البشرية عن الإتيان بمثلها سواء كانت من القسم الأول أو الثاني فلا يضر تفاوتها في البلاغة، وهو الذي قاله علماء هذا الشأن.
وقد فصل بعض مزايا هذه الآية المهرة المتقنون، وتركوا من ذلك ما لا يكاد يصفه الواصفون، ولا بأس بذكر شيء مما ذكر إفادة لجاهل، وتذكيرا لفاضل غافل، فنقول :
جهات بلاغة الآية الأربع : أولها جهة علم البيان
ذكر العلامة السكاكي أن النظر فيها من أربع جهات : من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني وهما مرجعا البلاغة. ومن جهة الفصاحة المعنوية، ومن جهة الفصاحة اللفظية : أما النظر فيها من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بذلك من القرينة والترشيح والتعريض، فهو أنه عز سلطانه لما أراد أن يبين معنى : أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان المساء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح عليه السلام وهو إنجاز ما كنا وعدناه من إغراق قومه فقضى، وأن نسوي السفينة على الجودي فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى – بنى سبحانه الكلام على تشبيه المراد منه بالمأمور الذي لا يتأتى منه –لكما هيبته من الآمر- العصيان، وتشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكون المقصود تصويرا لاقتداره سبحانه العظيم، وأن هذه الأجرام العظيمة من السماوات والأرض تابعة لإرادته تعالى إيجادا وإعداما، ولمشيئته فيها تغييرا وتبديلا، كأنها عقلاء مميزون قد عرفوه جل شأنه حق معرفته، وأحاطوا علما بوجوب الانقياد لأمره، والإذعان لحكمه، ويحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده، وتصوروا مزيد اقتداره، فعظمت مهابته في نفوسهم، وضربت سرادقها في أفنية ضمائرهم، فكما يلوح لهم إشارته سبحانه كان المشار إليه مقدما، وكما يرد عليهم أمره تعالى شأنه كان المأمور به متمما، لا تلقي لإشارته بغير الإمضاء والانقياد، ولا لأمره بغير الإذعان والامتثال.
" ثم بنى على مجموع التشبيهين نظم الكلام فقال جل وعلا قيل : على سبيل المجاز عن الإرادة من باب ذكر المسبب وإرادة السبب، لأن الإرادة تكون سببا لوقوع القول في الجملة، وجعل قرينة هذا المجاز خطاب الجماد وهو [ يا أرض- ويا سماء ] إذ يصح أن يراد حصول شيء متعلق بالجماد ولا يصح القول له. ثم قال سبحانه كما ترى [ يا أرض، ويا سماء ] مخاطبا لهما على سبيل الاستعارة للشبه المذكور، والظاهر أنه أراد أن هناك استعارة بالكناية حيث ذكر المشبه أعني السماء والأرض المراد منهما حصول أمر وأريد المشبه به أعني المأمور الموصوف بأنه لا يتأتى منه العصيان ادعاء بقرينة نسبة الخطاب إليه، ودخول حرف النداء عليه، وهما من خواص المأمور المطيع ويكون هذا تخييلا. وقد يقال : أراد أن الاستعارة ههنا تصريحية تبعية في حرف النداء بناء على تشبيه تعلق الإرادة بالمراد منه بتعلق النداء والخطاب بالمنادي المخاطب، وليس بشيء إذ لا يحسن هذا التشبيه ابتداء بل تبعا للتشبيه الأول فكيف يجعل أصلا لمتبوعه ؟ على أن قوله للشبه المذكور يدفع هذا الحمل.
ثم استعار لغئور الماء في الأرض [ البلع ] الذي هو إعمال الجاذبة في المطعوم للشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقر خفي. وفي الكشاف : جعل البلع مستعارا لنشف الأرض الماء وهو أولى فإن النشف دال على جذب من إجزاء الأرض لما عليها كالبلع بالنسبة إلى الحيوان، ولأن النشف فعل الأرض والغثور فعل الماء مع الطباق بين الفعلين تعديا. ثم استعار الماء للغذاء استعارة بالكناية تشبيها له بالغذاء لتقوي الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار تقوي الآكل بالطعام وجعل قرينة الاستعارة لفظة [ ابلعي ] لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء.
ولا يخفى عليك أنه إذا اعتبر مذهب السلف في الاستعارة يكون [ ابلعي ] استعارة تصريحية ومع ذلك يكون بحسب اللفظ قرينة للاستعارة بالكناية في الماء على حد ما قالوا في ينقضون عهد الله وأما إذا اعتبر مذهبه فينبغي أن يكون البلع باقيا على حقيقته كالإنبات في : أنبت الربيع البقل. وهو بعيد، أو يجعل مستعارا لأمر متوهم كما في : نطقت الحال فيلزمه القول بالاستعارة التبعية كما هو المشهور.
ثم إنه تعالى أمر على سبيل الاستعارة للتشبيه الثاني وخاطب في الأمر تشريحا لاستعارة النداء، والحاصل أن في لفظ [ ابلعي ] باعتبار جوهرة استعارة لغئور الماء وباعتبار صورته أعني كونه صورة أمر استعارة أخرى لتكوين المراد، وباعتبار كونه أمر خطاب ترشيح للاستعارة المكنية التي في المنادى، فإن قرينتها النداء وما زاد على قرينة المكنية يكون ترشيحا لها. وأما جعل النداء استعارة تصريحية تبعية حتى يكون خطاب الآمر ترشيحا لها فقد عرفت ما فيه.
ثم قال جل وعلا [ ماءك ] بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيها لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالملك، واختار ضمير الخطاب لأجل التشريح وحاصله أن هناك مجازا لغويا في الهيئة الإضافية الدالة على الاختصاص الملكي، ولهذا جعل الخطاب ترشيحا لهذه الاستعارة من حيث إن الخطاب يدل على صلوح الأرض للمالكية، فما قيل إن المجاز عقلي والعبارة مصروفة عن الظاهر ليس بشيء.
ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان من المطر أو الفعل، ففي [ أقلعي ] استعارة باعتبار جوهره وكذا باعتبار صيغته أيضا وهي مبنية على تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافد، والخطاب فيه أيضا ترشيح لاستعارة النداء، والحاصل أن الكلام فيه مثل ما مر في [ ابلعي ].
" ثم قال سبحا



١ - البيت من البسيط، وهو في ديوان الخنساء ص ٣٨٣، والأشباه والنظائر ١/ ١٩٨، وخزانة الأدب ١/ ٤٣١/ ٢/ ٣٤، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٨٢، والشعر والشعراء ١/ ٣٥٤، والكتاب ١/ ٣٣٧، ولسان العرب [رهط]، [قبل]، [سوا] والمقتضب ٤/ ٣٠٥، والمنصف ١/ ١٩٧، والبيت بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٣٨٧، ٤/ ٦٨، وشرح الأشموني ١/ ٢١٣، وشرح المفصل ١/ ١١٥، والمحتسب ٢/ ٤٣..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير