قال يا نوح إنه ليس من أهلك . ثم بين الحق سبحانه وتعالى حيثية ذلك الحكم الإلهي الذي لا معقب له، وأوضح الحكمة المتوخاة منه، حتى لا يبقى حكما غامضا، فقال تعالى : إنه عمل غير صالح مما ألقى الأضواء على نوع العلاقة التي لها اعتبار في نظر الشارع، والعلاقة التي لا اعتبار لها، أو لها اعتبار ثانوي جدا.
فهذه الآية تنص صراحة على أن قرابة العقيدة والإيمان هي القرابة الحقيقية والوحيدة، التي لها الاعتبار الأول بين الأقرباء في تكافلهم وتعاونهم، وتحديد مصيرهم المشترك، فإذا انتفت هذه القرابة الروحية والدينية بينهم كانت قرابة الدم المادية في الدرجة الأخيرة من الاعتبار، أو لا اعتبار لها بالمرة، لأن طابع البنوة الصحيح هو أن يكون الابن وارثا سر أبيه، يرث منه خير خصاله، وأفضل خلاله، والروحية منها قبل المادية، فتتصل به سلسلة الصلاح ولا تنقطع، وتنتقل الأمانة عن طريقه من جيل إلى جيل. وهكذا يصبح ابنك الروحي في العقيدة أو أخوك الروحي في الإيمان هو ابنك الحقيقي وأخوك الحق الذي تعتمد عليه بعد الله تعالى كل الاعتماد، في إدراك المنى وبلوغ المراد.
ولهذا طالب كتاب الله المسلمين بأن يكون الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما، وحذر من موالاة العشيرة ومن التودد إلى الأقرباء متى كانوا غير إخوان في العقيدة والدين، فقال تعالى : لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم |المجادلة : ٢٢| فالبغض في الله والحب في الله من الإيمان كما جاء في الأثر.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري