ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ

عباس (١): يريد: أعدل العادلين.
٤٦ - قوله تعالى: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ، [من قال: إن هذا الابن كان ابن نوح لصلبه، قال: معنى قوله: لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ] (٢) أي: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك، كذا قال ابن عباس (٣) فيها روى عنه الضحاك، وروى هشيم (٤) قال: سألت أبا بشر (٥) عن هذه الآية فقال (٦): معناه: ليس من أهل دينك.
والقولان ذكرهما الزجاج (٧)، وحكاهما أبو علي (٨)، وقال في القول الأول: بعَّد المخالفة، في الدين قربَ النسب الذي بينهما، كما تقرب الموالاة في الدين بعد النسب، قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠] وهذا إطلاع من الله تعالى نوحًا على باطن أمره، كما أطلع رسوله محمدًا - ﷺ - ما استبطنه المنافقون، وقال في القول الثاني: إنه من باب حذف المضاف، وعلى هذا كان سؤال نوح إنجاءه؛ لأنه كان يظن أنه

(١) "زاد المسير" ٤/ ١١٣.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(٣) الطبري ١٢/ ٥١، الثعلبي ٧/ ٤٤ ب.
(٤) هشيم هو: ابن بشير بن أبي خازم، الإمام شيخ الإسلام، محدث بغداد وحافظها، أبو معاوية السلمي مولاهم، الواسطي، ثقة ثبت، توفي سنة ١٨٣ هـ. انظر: "التقريب" ص ٥٧٤ (٧٣١٢)، "السير" ٨/ ٢٨٧.
(٥) هو: جعفر بن أبي وحشية إياس اليشكري أبو بشر، أحد الأئمة والحفاظ، ثقة، من أثبت الناس في سعيد بن جبير. توفي سنة ١٢٥هـ، وقيل: ١٢٦هـ. انظر: "التقريب" ص ١٣٩ (٩٣٠)، "السير" ٥/ ٤٦٥.
(٦) الطبري ١٢/ ٥١.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٥٥.
(٨) "الحجة" ٤/ ٣٤٢ بتصرف.

صفحة رقم 435

على دينه، فقد روي أنه كان منافقًا يظهر الإيمان ويسر الكفر، وكذا يقول من قال إنه ابن امرأته، وذهب جماعة إلى أنه ولد على فراش نوح، وكان ولد خبثه، وكان يظن نوح أنه ابنه، حتى أخبره الله تعالى أنه ليس ابنه، بقوله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ، وهذا قول ابن جرير (١)، والحسن (٢)، قال الحسن: إن امرأته فجرت.
وقال الشعبي (٣): لم يكن ابنه، إن امرأته خانته، واحتج هؤلاء بقوله تعالى: فَخَانتاهُمَا [التحريم: ١٠] (٤)، والعلماء على أنه كان ابنه، وعليه ابن عباس فقد روى الضحاك عنه أنه قال (٥): ما بغت امرأة نبي قط.
وروى سليمان بن قتة (٦) أن ابن عباس سئل: ما كانت خيانة امرأة نوح وامرأة لوط؟ فقال (٧): كانت امرأة نوح تقول: زوجي مجنون، وكانت امرأة لوط تدل الناس على ضيفه إذا نزل به، وروى عكرمة عنه (٨) أنه قال: لم

(١) لعله ابن جريج كما في الطبري ١٢/ ٥٠، أما ابن جرير فيقول بخلاف ذلك. انظر: الطبري ١٢/ ٥١.
(٢) الطبري ١٢/ ٤٩ - ٥٠، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٤٠، "زاد المسير" ٤/ ١١٣.
(٣) "زاد المسير" ٤/ ١١٣.
(٤) من هنا يبدأ السقط في (ب).
(٥) الطبري ١٢/ ٥١، ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٤٠، "زاد المسير" ٨/ ٣١٥.
(٦) هو: سليمان بن قتة التيمي، مولاهم البصري، المقرئ من فحول الشعراء، وثّقه ابن معين وقتة هي أمه، ولم تذكر سنة وفاته. انظر: "سير أعلام النبلاء" ٤/ ٥٩٦، "غاية النهاية" ١/ ٣١٤.
(٧) الطبري ١٢/ ٥١، عبد الرزاق ٢/ ٣١٠، القرطبي ٩/ ٤٧، "زاد المسير" ٨/ ٣١٥، "الدر المنثور" ٦/ ٣٧٧.
(٨) أخرج ابن عدي والبيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر عن الضحاك نحوه كما في "الدر" ٦/ ٣٧٧.

صفحة رقم 436

يكن الله ليجعل خائنة الفرج لأحد من أنبيائه، وإنما خيانتهما الكفر، قال أبو بكر ابن الأنباري: وهذا أولى من الأخذ بتأويلٍ فيه رميُ زوج نبي بالفاحشة، ومتى وجدنا سبيلا إلى تطهير حرم الأنبياء لم نعدل عن ذلك إلى وصفهن بما يسمج، وهذا أيضًا مذهب ابن مسعود (١): فقد قال: إنه ابنه، ولم يبتل الله -عزوجل - نبيا في أهله بمثل هذه البلوى.
وقوله تعالى: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ، يجوز أن تكون الهاء راجعة على السؤال، والمعنى: إن سؤالك إياي أنجي كافرًا، عمل غير صالح؛ لأنه قد تقدم دليل السؤال في قوله: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي، ويجوز أن تكون الهاء راجعة على ابن نوح، ويكون التقدير: إن ابنك ذو عمل أو صاحب عمل غير صالح، فحذف المضاف كما قالت الخنساء:
..... فإنما هي إقبال وإدبار (٢)
وهذا الذي ذكرنا قول أبي إسحاق (٣)، وأبي بكر (٤)، وأبي علي (٥)؛ قال أبو علي: ويجوز أن يكون ابن نوح جعل عملًا غير صالح، كما يجعل الشيء لكثرة ذلك منه، كقولهم: الشعر زهير، فعلى هذا لا حذف، ومن ذهب إلى أنه كان لزنية، قال: معنى قوله: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ أنه ولد زنى (٦)، والمفسرون على القول الأول؛ أن المعنى أن سؤالك ما ليس لك

(١) لم أجده في مظانه.
(٢) تقدم تخريج البيت في سورة البقرة: ١٧٧.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٥٥.
(٤) "زاد المسير" ٤/ ١١٤.
(٥) "الحجة" ٤/ ٣٤٢.
(٦) وممن قال بهذا الحسن كما في الطبري ١٢/ ٥٣، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٤٠.

صفحة رقم 437

به علم عمل غير صالح (١)، وهو قول الكلبي وقتادة، وقال عطاء عن ابن عباس: سؤالك (٢) إياي عمل غير صالح، وقرأ الكسائي (٣): "إنه عَمِلَ غيرِ صالح"، وهذه القراءة قراءة النبي - ﷺ - (٤)؛ روى ذلك عنه عائشة وأسماء بنت يزيد (٥) وأم سلمة (٦)، ومعناه أن الابن عمل عملًا غير صالح، يعني الشرك،

(١) رواه الطبري ١٢/ ٥٣ عن إبراهيم، وقتادة، وابن عباس، ومجاهد، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٤٠ عن ابن عباس.
(٢) في (ي): (مسألتك).
(٣) ويعقوب من العشرة، انظر: "السبعة" / ٣٣٤، "الكشف" ١/ ٥٣١، "النشر" ٣/ ١١٥، "إتحاف" ص ٢٥٦، وقرأ بها ابن عباس كما في الطبري ١٢/ ٥٣، والأخفش كما في "معاني القرآن" ٢/ ٥٧٨.
(٤) هذا الكلام فيه إيهام بأن ما عدا هذه القراءة ليس قراءة للنبي - ﷺ - وهذا غير مراد، وإنما المراد أنها قراءة ثابتة عن النبي- ﷺ -.
(٥) هي: الصحابية أم سلمة، أسماء بنت يزيد بن السكن بن رافع الأنصارية وقيل كنيتها أم عامر، شهدت اليرموك وعاشت بعدها دهرًا. انظر: "الإصابة" ص ٢٣٤ - ٢٣٥، "التقريب" ص ٧٤٣ (٨٥٣٢).
(٦) هذا الحديث رواه أحمد في "مسنده" من حديث أسماء بنت يزيد في ثلاثة مواضع ٦/ ٤٥٤، ٤٥٩، ٤٦٠، وعنها أيضًا، أبو داود (٣٩٨٢)، والطيالسي في مسنده ص ٢٥٦ ح ١٦٣١، وأبو نعيم في "الحلية" ٨/ ٣٠١، عن أم سلمة أم المؤمنين، والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٢٤٩، وأحمد عن أم سلمة ٦/ ٢٩٤، ٣٢٢، وأيضاً الطيالسي ٢٢٣ برقم ١٥٩٤، قال الترمذي بعد أن ساق الخبر: "سمعت عبد بن حميد يقول: أسماء بنت يزيد هي أم سلمة الأنصارية، كلا الحديثين عندي واحد" وذهب أحمد شاكر في تعليقه على الطبري إلى أنهما حديثان ١٥/ ٣٥٠، وأن شهر ابن حوشب يروي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية التي تكنى بأم سلمة، ويروى عن أم المؤمنين أم سلمة، وأما حديث عائشة الموافق لحديث أم سلمة فقد رواه البخاري في "الكبير" ١/ ١/ ٢٨٦، ٢٨٧، ورواه الحاكم في "المستدرك"، وقال الذهبي تعليقًا عليه: "إسناده مظلم".

صفحة رقم 438

فحذف الموصوف وأقيمت الصفة التي هي "غير" مقامه.
وقوله تعالى: فَلَا (١) تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، قال أبو بكر: سأل نوح ربه من نجاته وانصراف الغرق عنه ما يسأله الوالد، وهو لا يعلم أن ذلك محظور عليه مع إصراره على الكفر، حتى أعلمه ذلك، وكأن المعنى: ما ليس لك علم بجواز مسألته.
وقال أبو علي (٢): قوله "به" يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه مقدم يراد به التأخير أي ما ليس لك علم به (٣) فيكون كقوله تعالى: وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ [يوسف: ٢٠]، و إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١]، و وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [الأنبياء: ٥٦]، وزعم أبو الحسن (٤) أن ما يكون من هذا القبيل يتعلق بمضمر، يفسره هذا الذي ظهر بعد، وإن كان لا يجوز تسلط هذا الظاهر عليه قال: ومثل ذلك قوله: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى [الفرقان: ٢٢] فانتصب يَوْمَ يَرَوْنَ بما دلَّ عليه لَا بُشْرَى، ولا يجوز لما بعد لَا هذه أن تتسلط على يَوْمَ يَرَوْنَ، وكذلك إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] يتعلق بما يدل عليه النصح المظهر، وإن لم يتسلط عليه، والتقدير: إني ناصح لكما من الناصحين، وكذلك "ما ليس لي به علم" يتعلق بما يدل عليه قوله علم الظاهر، وإن لم يجز أن يعمل فيه، قال أبو علي: ويجوز فيه وجه آخر،

(١) في النسخ: (٩ ولا).
(٢) "الحجة" ٤/ ٣٤٣.
(٣) في (ي): (به علم).
(٤) هو أبو الحسن الأخفش.

صفحة رقم 439

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية