ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ( ٨ ) ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ( ٩ ) ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ( ١٠ ) إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ( ١١ )
هذه الآيات معطوفة على قوله تعالى : ولئن قلت إنكم مبعوثون الخ وهي كلها بيان لحال الناس تجاه ما بلغوه من دعوة الإسلام الحق من أول هذه السورة وهو التوحيد وبعثه محمد صلى الله عليه وسلم نذيرا وبشيرا وما أنذر وبشر به من جزاء في الدنيا والآخرة، والرجوع إلى الله بعد الموت وكمال الجزاء فيه، وقد استدل على هذا بخلقه تعالى للسموات والأرض إذ كان عرشه على الماء، الذي هو الأصل لجميع الأحياء، وعلله باختبار المكلفين بما يظهر به أيهم أحسن عملا، بعد هذا بين قصارى ما يقوله المنكرون للبعث منهم وقد تقدم، ثم عطف عليه ما يقوله المنكرون لإنذار الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم عذاب الدنيا والآخرة بتكذيبهم له.
ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة هذا وما بعدها بيان لحال الإنسان في اختبار الله له في قوله : ليبلوكم أيكم أحسن عملا أي لئن أعطيناه نوعا من أنواع النعمة رحمة منا مبتدأة أذقناه لذتها، فكان مغتبطا بها، كالصحة والأمن وسعة الرزق والولد البار ثم نزعناها منه بما يحدث من الأسباب بمقتضى سنتنا في الخلق من مرض وعسر وفتن وموت إنه ليئوس كفور أي إنه في هذه الحال لشديد اليأس من الرحمة، قطوع للرجال من عودة تلك النعمة، كثير الكفران لغيرها من النعم التي لا يزال يتمتع بها، فضلا عما سلف منها، فهو يجمع بين اليأس مما نزع منه، والكفر بما بقي له لحرمانه من فضيلتي الصبر والشكر.
تفسير المنار
رشيد رضا