وتناول كتاب الله بالوصف والتحليل نفسية الأشخاص القلقين، من ضعفاء الإيمان وضعفاء النفس، في حالتي الشدة والرخاء، مبينا أن هذا الرهط من الناس إذا أصابته شدة بعد الرخاء لا يلبث أن تنهار أعصابه، ويبلغ به اليأس والقنوط من رحمة الله إلى أقصى حد، حتى كأنه لم ينل في سابق حياته من ربه أي عطاء أو إحسان، فهو عاجز كل العجز عن تحمل الصدمات، ضعيف كل الضعف عن مواجهة الأزمات، وكلما طال به أمد الشدة تضاءل أمام نفسه وأمام الناس، فيصبح قزما بعدما كان عملاقا، ويعود حماما وديعا بعدما كان سبعا ضاريا، كما أنه إذا أصابه رخاء بعد الشدة عاجله البطر بالنعمة، وأصابه نوع من الإغماء والذهول من شدة الفرح الزائد عن الحد المعتاد، فلم يعد يضبط نفسه ولا عواطفه، واعتقد أن الرخاء الذي نزل بساحته سوف لا يفارقه إلى الأبد، فأمن مكر الله، ونسي نعمة الله، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا في إيجاز وإعجاز : ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور، ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني، إنه لفرح فخور أي شديد الفرح بنفسه، كثير الفخر والتطاول على غيره.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري