ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

واسْتَبَقَا البَابَ أي : تسابقا إلى الباب، وابتدرا إليه، وذلك أن يوسف عليه السلام فرَّ منها ؛ ليخرج حيث رأى البرهان، وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج، وقَدّت قميصَه من دُبُرٍ أي : شقت قميصه من خلف لما اجتذبته لترده. والقدُّ الشق طولاً، والقَطُّ : الشق عرضاً، وألفيا سيدها : وصادفاً زوجها لدى الباب ؛ وفيه إطلاق السيد على الزوج، وإنما أفرد الباب هنا، وجمعه في قوله : وغلقت الأبواب لأن المراد هنا الباب البراني الذي هو المخرج من الدار.
قالتْ لزوجها : ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يَسجن أو عذابٌ أليم ؟ قالته إيهاماً أنها فرت منه ؛ تبرئة لساحتها عند زوجها، وإغراء له عليه ؛ انتقاماً لنفسها لما امتنع منها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إذا أراد الله أن يصافي عبده بخصوصية النبوة، أو الولاية، كلأه بعين الرعاية، وجذبه إليه بسابق العناية ؛ فإذا امتحنه أيَّده بعصمته، وسابق حفظه ورعايته. ولا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية ؛ فالشهوة في البشر أمر طبيعي وبمجاهدتها ظهر شرفه. لكن النفس المطمئنة لا تحتاج في دفعها إلى كبير مجاهدة.
والنفس اللوامة لا بد في دفعها من المكابدة والمجاهدة ؛ فالهواجم والخواطر ترد على القلوب كلها، لكن النفس المطمئنة لها قوة على دفعها، وقد تتصرف فيها بإمضاء ما قدره الله الواحد القهار عليها. وكان أمر الله قدراً مقدوراُ . وذلك كمال في حقهم لا نقصان ؛ إذ بذلك تتميز قهرية الربوبية من ضعف العبودية، فما ظهرت كمالات الربوبية إلا بظهور نقائص العبودية. أما الإصرار على العيوب فلا يوجد مع الخصوصية مطلقاً، وأما هجومها على العبد من غير إصرار فيكون مع وجود خصوصية النبوة والولاية، وقد تقع بها الزيادة إن صحبها الانكسار والإنابة. وفي الحكم :" ربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول ". والله تعالى أعلم.
واعلمْ أن ما امتحن به الصديق عليه السلام مع العصمة، قد وقع مثله كثيراً في هذه الأمة المحمدية مع الحفظ والامتناع ؛ ذكر الرصاع في كتاب التحفة : أن بعض الطلبة كان ساكناً في مدرسة فاس، فخرجت امرأة ذات يوم إلى الحمام بابنتها، فَتَلَفتْ البنت وبقيت كذلك إلى الليل، فرأت باباً خلفه ضوء، فأتت إليه، فوجدت فيه رجلاً ينظر في كتاب، فقالت : إن لم يكن الخير عند هذا فلا يكون عند أحد. فقرعت الباب، فخرج الرجل فذكرت له قصتها، وأنها خافت على نفسها، فرأى أنه تَعَيَّنَ عليه حفظها، فأدخلها وجعل حصيراً بينه وبينها، وبقي كذلك ينظر في كتابه، فإذا بالشيطان زين له عمله، فحفظه الله ببركة العلم، فأخذ المصباح، وجعل يحرك أصابعه واحداً بعد واحد حتى أحرقها، والبنت تنظر إليه وتتعجب. ثم خرج ينظر إلى الليل فوجده ما زال، فأحرق أصابع اليد الأخرى، ثم لاح الضوء، فقال : اخرجي، فخرجت إلى دارها سالمة، فذكرت القضية لوالديها، فأتى أبوها إلى مجلس العلم، وذكر القصة للشيخ، فقال للحاضرين : أخرجوا أيديكم وأمنوا على دعائي لهذا الرجل، فأخرجوا أيديهم، وبقي رجل، فعلم الشيخ أنه صاحب القضية، فناداه، فأخبره، فذكر أنه زوجه الأب منها. هـ. مختصراً.
فمن ترك شيئاً لله عوضه الله مثله، أو أحسن منه. وكذلك فعل الحق تعالى بيوسف عليه السلام قد زوجه زليخاً على ما يأتي إن شاء الله.
وحدثني شيخي مولاي العربي رضي الله عنه، أنه وقف على حكايات تناسب هذا ؛ وهو أن رجلاً صالحاً تعلق قلبه بابنة الملك، فلما رأى نفسه أنه لا يقدر على تزوجها تلطف حتى دخل عليها في قبتها ليلاً، فوجدها نائمة على فراشها ملقى على وجهها رداؤها، وشمعة تشعل عند رأسها، وأخرى عند رجلها، وطعام موضوع عندها. فكشف عن وجهها فرأى من الجمال ما أبهر عقله ؛ فجعل يتردد في نفسه، ويخاصمها على فعل الفاحشة، فبينما هو كذلك إذ أبصر لوحاً فوق رأسها مكتوباً فيه : وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً [ الطلاق : ٢ ]، فتاب الله تعالى عليه، وزجر نفسه عن هواها، فوضع يده في ذلك الطعام ليأكل منه، وترك فيه أثراً، فلما أفاقت البنت رأت أثر اليد في الطعام، فسألت أهل الدار، فكلهم قالوا : ما دخل عليك أحد منا، فتيقنت أن رجلاً دخل عليها، وكان يخطبها كثيرٌ ممن له الرئاسة والجاه، فخافت على نفسها من أن يطرقها أحد منهم فيغضبها، فقالت لأبيها : لا بد أن تزوجني، فقال في نفسه : والله لا أزوجها إلا لرجل صالح، فخرج مختفياً إلى المدرسة، فأتى بعض الناس، فقال : سمعت هنا برجل صالح، فأردت أن أزوره، فأشار إلى ذلك الرجل الذي دخل على بنته، ثم سأل ثانياً، وثالثاً، فكلهم أشار إليه، فأتى إليه فقال له : إن لي بنتاً جميلة خطبها مني كثير من الناس، فأردت أن أزوجكها، فجهزها بما يليق بها، وزوجها إياه. هـ.
وذكر ابن عرضون : أن رجلاً كان بالقيروان من العلماء الأتقياء، يقال له شقران، وكان جميل الصورة فهوته امرأة، فأرسلت إلى عجوز، وأسرت إليها أمره على أن توصله إليها، فأتت إليه العجوز، وقالت : عندي ابنة مريضة، وأرادت أن توصي، وعسى أن تصل إليها، وتدعو لها، فلبس ثيابه، ومشى معها إلى أن وصلت إلى الدار فأدخلته، فوجد صبية جميلة، فقالت له : هلمّ، فقال : إني أخاف الله رب العالمين. فقالت له العجوز : هيهات يا شقران، والله لئن لم تفعل لأصيحنَّ، وأقول : إنك دخلت علينا وعارضتنا، فقال لها : إن كان ولا بد فدعيني حتى أدخل الحجرة، فقالت له : افعل ما بدا لك، فدخل الحجرة، فقال : اللهم إنها ما هوت مني إلا صورتي فَغَيَّرها، فخرج من الحجرة وقد ظهر عليه الجذام. فلما رأته، قالت : اخرج فخرج سالماً. وهذه الحكاية مشهورة ببلاد القيروان. هـ.
قلت : وقد نزل بنا في حال شبابنا كثير مما يشبه هذا، فحفظنا الله بمنّه وكرمه وحسن رعايته. فللَّهِ المنة والحمد، لا أحصي ثناء عليه.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير