نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٦:ولما لطَّخت عرض يوصف بهذا الكلام احتاج يوسف إلى إزالة هذه التهمة فقال : هي راودتني عن نفسي واعلم أنَّ العلاماتِ الكثيرة دالةٌ على صدق يوسف :
منها : أنَّ يوسف عليه السلام في ظاهر الأمر كان عبداً لهم، والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذه الحدّ.
ومنها : أنَّهم شاهدوا يوسف هارباً ليخرج، والطالبُ للمرأة لا يخرج من الدَّار على هذا الوجه.
ومنها : أنهم رأوا المرأة زينت نفسها على أكمل الوجوه، ويوسف لم يكن عليه أثر من آثار تزيين النَّفس.
ومنها : أنَّهم كانوا شاهدوا أحوال يوسف في المُدَّة الطَّويلة، فما رأوا عليه حالة تناسب إقدامه على مثل هذا الفعل المنكر.
ومنها : أنَّ المرأة ما نسبته إلى طلب الفاحشة على سبيل التصريح، بل ذكرت كلاماً مجملاً، وأما يوسف فإنَّه صرَّح بالأمر، ولو كان مطاوعاً لها، ما قدر على التَّصريح، فإنَّ الخائنَ خائفٌ.
وكلُّ هذه الوجوه مما يقوِّي غلبة الظن ببراءة يوسف في هذه المسألة، ثم إنَّه تعالى أظهر ليوسف دليلاً يقوي تلك الدَّلائل على براءته من الذَّنب، وأن المرأة هي المذنبة وهو قوله تعالى : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ فقوله :" مِنْ أهْلِهَا " صفة ل :" شَاهِدٌ "، وهو المسوغ لمجيء الفاعل من لفظ الفعل، إذْ لا يجوزُ قام القائم، ولا : قعد القاعدُ، لعدم الفائدةِ.
واختلفوا في ذلك الشَّاهد على ثلاثةِ أقوالٍ :
الأول : أنه كان ابن عمَّها، وكان رجلاً حكيماً، واتَّفق في ذلك الوقت أنَّهُ كان ممع زوجها، يريد أن يدخل عليها، وفقال الحكيمُ : إنْ كَانَ قَميصهُ قُدَّ مِنْ قُبلِ ، فأت صادقة، والرَّجلُ كاذبٌ، وإنْ كانَ قَمِيصهُ قُدَّ مِنْ دُبرٍ ، فالرَّجلُ صادقٌ، وأنت كاذبة فلما نظرُوا إلى القميصِ رأوا الشقَّ من خلفه، قال ابن عمِّها : إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [ اي : من عَملكن ] ثم قال ليوسف :" أعْرِضْ عَنْ هَذَا " أي اكتمهُ، وقال لها : واستغفري لِذَنبِكِ ، وهذا قولُ السدي، وطائفة من المفسرين.
قال السُّهيلي : وهذا من باب الحكم بالأمارات، وله أصلٌ في الشَّرعِ، قال تعالى : وَجَآءُوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [ يوسف : ١٨ ] حيثُ لا أثر لأنياب الذئب فيه، وقال تعالى : إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ وقال عليه الصلاة والسلام في الحدّ :" انْظرُوا فإنْ جَاءَتْ بِهِ أبْيضَ خَالياً فَهُو للَّذي رُمِيَتْ بِهِ ".
قال السهيلي : كان عامر بن الظرف العدوانيُّ لا يكون بين العرب ثائر إلا تحاكموا إليه فيرضون بما يقضي به، فتحاكموا إليه في ميراث خنثى بات ليلة ساهراً يرى ماذا يحم به ؟ فرأته جارية له ترعى، وكان اسمها سخيلة، فقالت له : ما لك، لا أبا لك اللَّيلة ساهِراً ؛ فذكر لها ما هو مفكر فيه، وقال : لعلها يكون عندها في ذلك شيء، فقالت له :" اتْبَع القضاء المَبال " فقال : فرجتها والله يا سخيلة، وحكم بذلك القول.
القول الثاني : منقولٌ عن ابن عبَّاسٍ، وسعيد بن جبيرٍ، والضحاك رضي الله عنهم أن ذلك الشَّاهد كان صبيًّا في المهد، أنطقه اللهُ.
قال ابن عبًّاس رضي الله عنه : تكلَّم في المهدِ ثلاثةُ صغارٍ : شاهدُ يوسف، وعيسى ابن مريم عليه السلام، وصاحبُ جريج الرَّاهب.
قال الجبائيُّ : القول الأول أولى لوجوه :
الأول : أنَّه سبحانه وتعالى لو أنطق الطفل بهذا الكلام، لكان مجرد قوله :" إنَّها كَاذبةٌ " كافياً، وبرهاناً قاطعاً ؛ لأنَّه من المعجزات العجيبة الباهرة والاستدلال بتمزيق القميص من قُبُل ومن دُبُرٍ دليل ظنيّ ضعيف، والعدول عن الحجَّة الواضحة القاطعة حال حصولها إلى الدلالة الظَّنية لا يجوزُ.
الثاني : أنه تبارك وتعالى قال : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ يشيرُ بذلك إلى أنَّ شهادة الشَّاهد على قريبه، أولى بالقبولِ من شهادته له ؛ لأن الظاهر من حال القريب أن يشهد لقريبه، لا أن يشهد عليه، وهذا التَّرجيحُ إنما يُصَارُ إليه إذا كانت دلالة الشَّهادة ظنية، وذلك إنَّما يكون في شهادة الرجل، ولو يكون هذا القول صادراً من الصَّبي الذي كان في المهد، لكان قوله حجَّة قاطعة، ولا يتفاوتُ الحال بين أن يكون من أهلها، وبين ألا يكون، وحينئذٍ لا يبقى لهذا القيد وجه.
الثالث : أن لفظ الشَّاهد لا يقعُ في العرف، إلا على من تقدَّمت معرفته بالواقعة، وإحاطته بها.
القول الثالث : أن هذا الشاهد هو القميص، قال مجاهد رضي الله عنه الشاهد :" قُدَّ قيمصه من دُبُر "، وهذا في غاية الضعف ؛ لأن القميص لا يوصف بهذا ولا ينسب إلى الأهل.
واعلم أنَّ القول الأول عليه إشكال، وذلك أنَّ العلامة المذكورة لا تدلُّ قطعاً على براءة يوسف من المعصية ؛ لأن من المحتملِ أنَّ الرجل قصد المرأة لطلب الزِّنا، والمرأة غضبت عليه، فهرب الرجل، فعدتِ المرأةُ خلف الرجل، وجذبته لقصد أن تضربه ضرباً وجيعاً، فعلى هذا الوجه يكون قدُّ القميص من دبرٍ، مع أنَّ المرأة تكون بريئة عن [ الذنب ] وأنَّ الرجل يكون مذنباً.
جوابه : أنَّا بيَّنا أنَّ علامات كذب المرأة كانت كثيرة بالغة مبلغ اليقين، فضمّ إليها هذه العلامة الأخرى، لا لأجل أن يُعوِّلُوا في الحكم عليها، بل لأجل أن يكون ذلك جارياً مجرى المقدمات، والمرجّحات.
قوله :" إنْ كَانَ... " هذه الجملة الشرطية، إما معمولةٌ لقولٍ مضمر تقديره :" فقال " إن كان عند البصريين، وإمَّا معمولة " لِشَهدِ " ؛ لأنه بمعنى القول عند الكوفيين. قوله " مِنْ دُبرٍ.. "، و " مِنْ قُبُلٍ... " قرأ العامَّة جميع ذلك بضمتين، والجر والتنوين، بمعنى : من خلف، من قدام، أي : من خلف القميص، وقدامه وقرأ الحسن، وأبو عمرو في رواية بتسكين لعين تخفيفاً، وهي لغة الحجاز، وأسد، وقرأ ابن يعمر، وابن أبي إسحاق [ والعطاردي والجارود بثلاث ضمات، وروي عن الجارود وابن أبي إسحاق وبن يعمر ] أيضاً بسكون العين وبنائها على الضم ووجه ضمهما : أنَّهم جعلوهما ك " قَبلُ، وبعْدُ " في بنائها على الضم عند قطعهما عن الإضافة، فجعلوهما غاية، ومعنى الغاية : أن يجعل المضاف غاية نفسه، بعد ما كان المضاف إليه غايته، والأصل إعرابهما ؛ لأنَّهما اسمان متمكنان، وليسا بظرفين.
قال أبو حاتم : وهذا رديءٌ في العربية، وإنما هذا البناء في الظروف.
وقال الزمخشري :" والمعنى : من قبل القميص، ومن دُبرهِ، وأما التنكيرُ فمعناه : من جهةٍ يقال لها قبلٌ، ومن جهة يقال لها دبرٌ " وعن ابن أبي إسحاق : أنَّهُ قرأ " مِنْ قُبْلَ "، و " مِنْ دُبْرَ " بالفتح كأنَّه جعلهما علمين للجهتين، فمنعهما الصرف للعملية، والتَّأنيث، وقد تقدم [ البقرة : ٢٣٥ ] الخلاف في " كان " الواقعة في حيز الشرط، هل تبقى على معناها من المضي، وإليه ذهب المبرِّدُ، أم تنقلب إلى الاستقبال كسائر الأفعالِ، وأنَّ المعنى على التَّبيينِ ؟.
قوله :" فَكذَبَتْ "، و " صَدقَتْ " على إضمار " قَدْ "، لأنها تقرب الماضي من الحالِ، هذا إذا كان الماضي متصرِّفاص، فأما إذا كان جامداً، فلا يحتاجُ إلى " قَدْ " لا لفظاً، ولا تقديراً.
قوله : فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ : أي : فلمَّا رأى زوجها قميصه قُدّ من دُبُرٍ ؛ عرف خيانة امرأته، وبراءة يوسف صلوات الله وسلامه عليه قال لها :" إنَّهُ "، هذا الصَّنِيعُ، أو قولك ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ وقيل : هذا من قول الشاهد.
فإن قيل : إنه تعالى قال : وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً [ الإنسان : ٢٨ ] فكيف وصف كيد المرأة بالعظيم، وأيضاً : فيكدُ الرِّجال قد يزيدُ على كيد النِّساءِ ؟.
فالجواب عن الأوَّل : أن خلقة الإنسان بالنِّسبة إلى خلقة الملائكة، والسموات، والكواكب خلقة ضعيفة، وكيد النسوان بالنسبة إلى كيد البشر عظيمٌ ؛ ولا منافاة بين القولين، وأيضاً : فالنِّساءُ لهُنَّ من هذا الباب من المكرِ، والحِيل، ما لا يكون للرجال ؛ لأنَّ كيدهنَّ في هذا الباب، يورث من العار ما لا يورثه كيدُ الرَّجال.
ولما ظهر للقوم براءةٌ يوسف عن ذلك الفعل قال زوجها ليوسف :" أعْرِضٍ عَنْ هَذَا " الحديث، فلا تذكرة لأحدٍ حتى لا ينتشر، ولا يحصلُ العارُ العظيم وقيل : إنَّهُ من قول الشَّاهد. ثم قال للمرأة [ " واستغفري لِذنبكِ " إي : إلى الله إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين وقيل هذا من قول الشاهد ] " واسْتَغفِري "، أي : اطلبي من زوجك المغفرة، والصَّفح ؛ حتَّى لا يعاقبك.
قال أبو بكرٍ الأصمُّ : إنَّ ذلك الزوج كان قليل الغيرةِ، فاكتفى منها بالاستغفار وقيل : إنَّ الله تعالى عزَّ وجلَّ سلبه الغيرة لطفاً بيوسف، حتى كفى بادرته وحلم عنها.
قال الزمخشري :" وإنما قال : مِنَ الخاطئين ؛ تغليباً للذكور على الإناث " ويحتملُ أن يقال : إنك من قبيل الخاطئين، فمن ذلك القبيل جرى ذلك العرفُ فيك.
قال البغوي رحمه الله : تقديره : إنَّك من القوم الخاطئين، ولم يقصد به الخبر عن النِّساء ؛ بل قصد الخبر عن كُلِّ من يعفعلُ ذلك ؛ كقوله تعالى : وَكَانَتْ مِنَ القانتين [ التحريم : ١٢ ]، وبيانه قوله : إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ [ النمل : ٤٣ ].
قوله تعالى :" يُوسُفُ "، منادى محذوفٌ منه حرفُ النداءِ. قال الزمشخريُّ :" لأنه منادى قريب مقاطن للحديث، وفيه تقريبٌ له، وتلطيفٌ بمحله " انتهى.
وكُلُّ منادي يجوز حذف حرفُ النِّداء منه، إلا الجلالة المعظمة، واسم الجنس غالباً، والمستغاثَ، والمندوب، واسم الإشارة عند البصريين، وفي المضمر إذا نودِيَ.
والجمهورُ على ضمِّ فاءِ يوسف عليه الصلاة والسلام ؛ لكونه مفرداً معرفةً، وقرأ الأعمش بفتحها، وقيل لم تثبت هذه القراءة عنه، وعلى تقدير ثبوتها، فقال أبو البقاء : فيها وجهان :
أحدهما : أن يكون أخرجه على أصل المنادى ؛ كما جاء في الشِّعر :[ الخفيف ]
يريد بأصلِ المنادى : أنه مفعولٌ به، فحقه النصب ؛ كالبيت الذي أنشده، واتفق أن يوسف لا ينصرف، ففتحته فتحةُ إعرابٍ. ٣٠٧٨.................. يَا عَدِيًّا لقَدْ وقَتْكَ الأوَاقِي
والثاني، وجعله الأشبه : أن يكون وقف على الكلمة، ثم وصل، وأجرى الوصل مجرى الوقف ؛ فألقى حركة الهمزة على الفاء، وحذفها ؛ فصار اللفظ بها :" يُوسفَ أعْرض " ؛ وهذا كما حي :" اللهُ أكبرَ، أشْهَدَ ألاّ "، بالوصلِ والفتح في الجلالةِ وفي " أكْبر "، وفي أشْهد " ؛ وذلك أنه قدَّر الوقف على كل كلمة من هذا الكلم، وألقى حركة الهمزة [ من ] كل من الكلمِ الثَّلاث، على السَّاكن قبله، وأجرى الوصل مجرى الوقف في ذلك.
والذي حكوه الناسُ، إنَّما هو في " أكْبَر " خاصَّة ؛ لأنَّها مظنة الوقف، و تقدم ذلك في سورة آل عمران [ الآية : ١ ].
ورىء " يُوسفُ أعْرضَ " بضمِّ الفاءِ، و " أعْرضَ " فعلاً ماضياً، وتخريجها أن يكون " يُوسفُ " مبتدأ، و "
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود