ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٦:م ٢٦

الإيضاح :

قال هي راودتني عن نفسي أي هي طلبتني فامتنعتُ وفررت كما ترى، وقد قال هذه المقالة وهتك سترها خوفا على النفس والعرض، ولا شك أن هذه حال تحتاج إلى بحث وتشاور وأخذ ورد لم يبينه لنا الكتاب الكريم وإن كان لا بد أن يحصل حتما ما هو مقتضى العادة والعقل، لأن المقصد من القصة بيان نزاهة يوسف وفضائله لتكون عبرة لغيره.
وكانت الأمارات دالة على صدق يوسف لوجوه :
إن يوسف كان مولى لها، وفي مجرى العادة أن المولى لا يجرؤ أن يتسلط على سيدته ويتشدد إلى مثل هذا.
إنهم رأوا يوسف يعدو عدوا شديدا ليخرج، ومن يطلب امرأته لا يخرج على هذا النحو.
إنهم رأوا الزينة قد بدت على وجه المرأة، ولم يكن لها من أثر على وجه يوسف.
إنهم لم يشاهدوا من أخلاق يوسف في تلك الحِقْبة الطويلة ما يؤيد مثل هذه التهمة أو يقوي الظن عليه بأنه هو الطالب لا الهارب.
وقد أظهر الله لبراءته ما يقوّي تلك الدلائل الكثيرة التي تظاهرت على أن بدء الفتنة كانت منها لا منه وأنها هي المذنبة لا هو وذلك ما أشار إليه بقوله :
وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين* وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين أي وحكم ابن عمّ لها مستدلا بما ذكر، وكان عاقلا حصيف الرأي فقال : قد سمعنا جَلَبة وضوضاء ورأينا شق القميص إلا أنا لا ندري أيّكُما كان قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدام فصدقت في دعواها أنه أراد بها سوءا، إذ الذي يقبله العقل أنه لما وثب عليها أخذت بتلابيبه فجاذبها فانقدّ قميصه وهما يتنازعان ويتصارعان، وهو من الكاذبين في دعواه أنها راودته فامتنع وفرّ هاربا فتبعته وجذبته تريد إرجاعه، وإن كان قميصه قدّ من الخلف فكذبت في دعواها أنه هجم عليها يريد ضربها، وهو من الصادقين في قوله أنه فرّ هاربا منها.
روي أن هذا الشاهد كان صبيا في المهد وأيدوه بما نقل عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( تكلم أربعة وهم صغار : ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جُرَيج، وعيسى ابن مريم ) وما روي عن أبي هريرة قال :( عيسى ابن مريم وصاحب يوسف وصاحب جريج تكلموا في المهد ) وهذا موقوف لا يصلح الاحتجاج به، الأول قد ضعفّه رجال الحديث، إلا أنه لو نطق الطفل بهذا لكان قوله كافيا في تفنيد زعمها دون حاجة إلى الاستدلال بتمزيق القميص، لأنه من الدلائل الظنية، وكلامه في المهد من الدلائل اليقينية، وأيضا لو كان كذلك لما كان هناك داع إلى قوله : من أهلها الذين ينفي التحامل عليها ويمنع إرادة الضر بها، وأيضا فإن لفظ ( الشاهد ) لا يقع عرفا إلا على من تقدمت معرفته لما يشهد وإحاطته به.


تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير