ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

المكذوب فيه أن يبطل تأويله، فلما وقع ما تؤل لهذين المنامين وكلاهما مكذوب فيه، دل ذلك على أن الجواب وقع بوحي، لا يبطل ولا يزول، على هذا دل كلام المفسرين.
قال ابن عباس (١) وابن مسعود (٢) وقتادة (٣) وغيرهم (٤)، قالوا: لما عبر رؤياهما، قالا ما رأينا شيئًا، فقال قضى الأمر الذي فيه تستفتيان، قطع الجواب الذي التمساه من جهته، فكأنه قال: هذا عبارة ما سألتما، وتأويل ما قصصتما عندي، ولم يعن أن الذي تأوله واقع لا محالة، فلم يحتم بصحة هذا التأويل، الدليل على ذلك قوله وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ والظان شاك غير عالم، والصحيح هو الأول؛ لأنه أشبه بحال الأنبياء (٥)، وذكرنا معنى الاستفتاء في سورة النساء (٦).
٤٢ - قوله تعالى وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا قال ابن عباس (٧)

(١) "تنوير المقباس" ص ١٥٠.
(٢) الطبري ١٢/ ٢٢١، وابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤٨، وأبو الشيخ كما في "الدر" ٤/ ٣٦، الثعلبي ٧/ ٨٤ أ.
(٣) أخرجه أبو الشيخ كما في "الدر" ٤/ ٣٦.
(٤) وهو قول مجاهد والسدي والطبري وغير واحد، انظر: الطبري ١٢/ ٢٢١، وابن أبي حاتم، و"البحر المحيط" ٥/ ٣١١.
(٥) هذا الذي رجحه ابن جرير الطبري ١٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣، وابن عطية ٧/ ٥١٥، والقرطبي ٩/ ١٩٤.
(٦) عند قوله تعالى وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ [آية: ١٢٧]. قال هناك: (الاستفتاء طلب الفتوى، يقال: أفتى الرجل في المسألة واستفتيته فأفتاني إفتاء، ويقال: أفتيت فلانا في رؤياه إذا عبرتها له. اهـ.
(٧) "تنوير المقباس" ص١٥٠، و"زاد المسير" ٤/ ٢٢٧.

صفحة رقم 121

ومقاتل (١) وأكثر المفسرين (٢): ظن: أيقن، وهذا التفسير موافق (٣) لقول من يقول: إنه حكم في عبارة الرؤيا بالقطع واليقين، فقال للذي (٤) علم أنه ناج من الرجلين اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ وقال قتادة (٥): إنما عبارة الرؤيا على الظن، فيبطل الله ما يشاء ويحق ما يشاء، وفسر الظن هاهنا على الشك والحسبان، وهذا موافق (٦) مذهب من يقول لم يحتم يوسف بتأويل الرؤيا، والقول هو الذي عليه العامة.
وقوله تعالى: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ أي عند الملك (٧) صاحبك، والرب هاهنا بمعنى السيد، قال المفسرون (٨): قال له يوسف إذا خرجت من السجن، فقل للملك إن في السجن غلامًا محبوسًا ظلمًا، فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ الكناية في قوله: فَأَنْسَاهُ راجعة على يوسف في قول الأكثرين، قال مجاهد (٩): أنسى الشيطان يوسف الاستغاثة بربه، وأوقع في قلبه الاستغاثة بالملك، فعوقب بأن لبث في السجن بضع سنين.

(١) "تفسير مقاتل" ١٥٤ أ.
(٢) "الكشاف" ٢/ ٣٢٢، والرازي ١٨/ ١٤٣، و"الدر المصون" ٦/ ٤٩٩، ٥٠٠.
(٣) في (أ): (موافق القول)، وفي (ج): (موافقًا لقول).
(٤) في (أ)، (ب)، (ج): (الذي).
(٥) القرطبي ١٦/ ١١٠، وأبو الشيخ كما في "الدر" ٤/ ٣٧، و"زاد المسير" ٤/ ٢٢٧، والقرطبي ٩/ ١٩٤، وابن عطية ٧/ ٥١٥.
(٦) في (أ)، (ب)، (ج): بزيادة (من).
(٧) رواه الطبري ١٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣، عن ابن إسحاق ومجاهد وأسباط وقتادة.
(٨) الثعلبي ٧/ ٨٤ ب، الطبري ١٢/ ٢٢٢.
(٩) الطبري ٢٢٢ - ٢٢٤، والثعلبي ٧/ ٨٤ ب، وابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤٩، وابن المنذر كما في "الدر" ٤/ ٣٩، و"زاد المسير" ٤/ ٢٢٧.

صفحة رقم 122

وهذا قول ابن عباس (١)، واختيار الزجاج (٢)، قال: أنسى يوسفَ الشيطانُ أن يذكر ربه. وذهب بعض المفسرين إلى أن الكناية راجعة إلى إنساء الشيطان الساقي أن يذكر يوسف لربه، وهذا قول الحسن (٣)، والكلبي (٤) وابن إسحاق (٥)، وذكر الفراء (٦) القولين جميعًا.
قال ابن الأنباري: فمن أعاد الهاء على يوسف احتج بأنها لو عادت على الساقي دخل الكلام حذف وإضمار، لأنه يكون التقدير: فأنساه الشيطان ذكره لربه، ويكون كقوله يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ (٧) أي يخوفكم بأوليائه، وإذا صح المعنى من غير إضمار وحذف، لم يعدل عنه إلى غيره (٨)، ومن جعل الهاء عائدة على الساقي، قال: لو رجعت على يوسف ما استحق عقوبة من قبل أن الناسي غير مؤاخذ، والجواب عن هذا أن معنى النسيان هاهنا الترك، ومعنى قوله فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ عامدًا لا ناسيًا.

(١) البغوي ٤ - ٢٤٤، و"تنوير المقباس" ص١٥٠، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤٩ بنحوه بدون سند لابن عباس.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١١٢.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد وقال ابن كثير ٢/ ٥٢٦: (قوله: فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ الضمير عائد إلى الناجي كما قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد).
(٤) "تنوير المقباس" ص ١٥٠.
(٥) الطبري ١٢/ ٢٢٤، الثعلبي ٧/ ٨٤ ب، "زاد المسير" ٤/ ٢٢٧، ابن عطية ٧/ ٥١٦.
(٦) "معاني القرآن" ٢/ ٤٦.
(٧) آل عمران: ١٧٥.
(٨) وقد ذهب إلى هذا القول عامة المفسرين ومنهم الطبري ١٢/ ٢٢٢ وابن عطية ٧/ ٥١٦، والقرطبي ٩/ ١٩٦، والبغوي ٤ - ٢٤٤، والرازي ١٨/ ١٤٥، وأما القول الثاني على أن الناسي هو الساقي فرجحه ابن كثير ٢/ ٥٢٦، وأبو حيان ٥/ ٣١١.

صفحة رقم 123

وقوله تعالى: فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ قال أبو عبيدة (١): البضع ما لم يبلغ العقد ولا نصفه، يريد ما بين الواحد إلى الأربعة، وقال الأصمعي (٢): ما بين الثلاث إلى التسع، قال الزجاج (٣): وهو القول الصحيح، واشتقاقه من بضعت بمعنى قطعت، ومعناه القطعة من العدد، فجعل لما دون العشرة من الثلاث إلى التسع، وهذا قول قتادة (٤).
وقال الفراء (٥) نحو هذا، وزاد فقال: لا يذكر البضع إلا مع عشر أو عشرين إلى التسعين، وهو نيف ما بين الثلاثة إلى التسعة، وقال: كذلك رأيت العرب يقولون، وما رأيتهم يقولون: بضع ومائة، وإذا كان بضع للذُّكران قيل بضعة، فعلى هذا الواحد والاثنان يقال لهما: نيف، والثلاثة إلى التسعة: بضع.
وقال المبرد (٦): هو ما بين العقدين، وهذا قول جماعة (٧)، قالوا: البضع ما دون العشر، وهو قول الأخفش (٨)، قال: هو من واحد إلى عشرة.

(١) "تهذيب اللغة" (بضع) ١/ ٣٤٦، و"اللسان" (بضع) ١/ ٢٩٨.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ١١٢، و"معاني القرآن" للنحاس ٣/ ٤٣٠.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١١٢.
(٤) الطبري ١٢/ ٢٢٤، الئعلبي ٧/ ٨٤ ب. "معاني القرآن" للنحاس ٣/ ٤٢٩، "الدر المصون" ٤/ ١٨٥.
(٥) "معاني القرآن" ٢/ ٤٦، و"التهذيب" (بضع) ١/ ٣٤٦، و"اللسان" (بضع) ١/ ٢٩٨، والثعلبي ٧/ ٨٤ ب، وا لطبري ١٢/ ٢٢٥.
(٦) "تاج العروس" ١١/ ١٩.
(٧) "معاني القرآن للفراء" ٢/ ٤٦، و"زاد المسير" ٤/ ٢٢٨.
(٨) "معاني القرآن" للنحاس ٣/ ٤٣٠، و"الزاهر" ٢/ ٣٤٢، ٣٤٣، و"زاد المسير" ٤/ ٢٢٨.

صفحة رقم 124

وروى الشعبي (١) أن النبي - ﷺ - قال لأصحابة: "كم البضع؟ " فقالوا: من واحد إلى عشرة، وهذا قول ابن عباس (٢)، وقال مجاهد (٣): هو ما بين الثلاث إلى التسع، وهو قول قطرب (٤)، وعامة المفسرين (٥) على أن المراد بالبضع هاهنا سبع، وقالوا: عاقب الله عز وجل يوسف بأن حبس سبع سنين، بعد الخمس التي حبسها إلى وقت قوله اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ وذهب مقاتل (٦) إلى العكس من هذا، فقال: الأول سبع، والآخر خمس.
قال ابن عباس (٧) في رواية عطاء: لما تضرع يوسف إلى مخلوق وقد كان اقترب خروجه، أنساه الشيطان ذكر ربه، حيث مال إلى مخلوق وترك الخالق، فلبث في السجن سنين.
وروى الحسن (٨) أن النبي - ﷺ - قال: "رحم الله يوسف، لولا الكلمة التي قالها: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ما لبث في السجن طول ما لبث"، ثم

(١) الحديث أخرجه أحمد ٤/ ١٦٨، والطبري ٢١/ ١٧، والترمذي ٢/ ١٥٠، وحسنه من حديث ابن عباس، وصححه الألباني في "صحيح الجامع".
(٢) الثعلبي ٧/ ٨٤ ب، الطبري ١٢/ ٢٢٥.
(٣) الطبري ١٢/ ٢٢٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥٠.
(٤) "معاني القرآن" للنحاس ٣/ ٤٣٠، وفي "الماوردي" ٣/ ٤٠ أنه قال: من ثلاث إلى سبع.
(٥) روى ذلك الطبري ١٢/ ٢٢٥ عن قتادة ووهب وابن جريج، وذكره الثعلبي ٧/ ٨٤ ب ونسبه إلى أكثر المفسرين.
(٦) "تفسير مقاتل" ١٥٤ أ.
(٧) روي عن ابن عباس مرفوعًا نحوه انظر: ابن أبي الدنيا كتاب العقوبات، والطبري ١٢/ ٢٢٣، والطبراني وابن مردويه كما في "الدر" ٤/ ٣٧.
(٨) الطبري ١٢/ ٢٢٣، وأحمد في "الزهد" وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤٨، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" ٤/ ٣٧، الثعلبي ٧/ ٨٤ ب، الرازي في ١٨/ ١٥٠.

صفحة رقم 125

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية