قوله تعالى : فَلَمَّا رَجِعُوا إلى أَبِيهِمْ قَالُواْ ياأبانا مُنِعَ مِنَّا الكيل فيه قولان :
أحدهما : أنَّهُم لما طلبوا الطعام لأبيهم وللأخ الباقي عند أبيهم، منعوا منه.
والثاني : أنَّه منع الكيل في المستقبلِ، وهو قول يوسف : فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ [ يوسف : ٦٠ ]، قال الحسنُ رحمه الله : معناه : يمنعُ منَّا الكيل إنْ لم نحمل أخانا معنا، وهذا أولى ؛ لأنه لم يمنعهُم الكيل ؛ بل اكتالَ لهم، وجهَّزهم، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى : فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ ، والمراد بالكَيْلِ : الطعامُ ؛ لأنه يكالُ.
قوله :" نَكْتَلْ " قرأ الأخوان : بالياءِ من تحتُ، أي : يَكِيلُ أخونا.
والباقون بالنون، أي : نَكِيلُ نحنُ، وهو الطعامُ، وهو مجزومٌ على جواب الأمرِ.
ويحكى أنَّه جرى بحضرةِ المتوكِّل، أو وزيره ابن الزَّيات : بين المازنِيّ، وابنِ السِّكيت مسألةٌ، وهي : ما وزنُ " نَكْتَل " ؟ فقال يعقوبُ : نَفْتَل، فَسَخِرَ بِهِ المازني وقال : إنَّما وزنُها نَفْتَعِل.
قال شهابُ الدِّين رحمه الله :" وهذا ليس بخطأح لأنَّ التَّصريفيين نصُّوا على أنَّه إذا كان في الكلمةِ حذفٌ أو قلبٌ حذفت في الزنة، وقلبت، فتقول في وزن : قُمْتُ، وبعِْتُ : فُعْتُ، وفِعْتُ، ووزن " عِدَة " " عِلَة "، وإن شئت أتيتَ بالأصل ؛ فعلى هذا لا خطأ في قوله : وزن " نَكْتَلْ " : نَفْتَل ؛ لأنه اعتبر اللفظ، لا الأصل، ورأيت في بعض الكتب أنَّ وزنها :" نَفْعَل " بالعينِ، وهذا خطأٌ محضٌ، على أنَّ الظاهر من أمر يعقوب أنه لم يتقنْ هذا، ولو أتقنه لقال : وزنه على الأصل كذا، وعلى اللفظ كذا، ولذلك أنحى عليه المازنيُّ، فلم يرد عليه بشيء ".
ثم قال سبحانه وتعالى : وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ضمنوا كونهم حافظين له : لما قالوا ذلك، قال يعقوب عليه الصلاة والسلام هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ مِن قَبْلُ والمعنى : أنكم ذكرتم مثل هذا الكلام في يوسف، وضمنتم لي حفظه حيث قلت : وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ وهاهنا ذكرتم هذا اللفظ بعينه، فهل يكون هاهنا إلا ما كان هناك، فكما لا يحصل الأمانُ هناك لا يحصلُ هنا.
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود