أي : أن يوسف صار ظرفا للأحداث، لأن " في " تدل على الظرفية(١)، ومعنى الظرفية أن هناك شيئا يظرف فيه شيء آخر، فكأن يوسف صار ظرفا ستدور حوله الأحداث بالأشخاص المشاركين فيها.
و " يوسف " اسم أعجمي ؛ لذلك فهو " ممنوع من الصرف " أي : ممنوع من التنوين فلا نقول : في يوسف.
و يوسف وإخوته آيات للسائلين ( ٧ ) [ يوسف ]
وهذا يعني أن ما حدث إنما يلفت لقدرة الله سبحانه ؛ فقد ألقي في الجب وأنقذ ليتربى في أرقى بيوت مصر.
ونعلم أن كلمة آية تطلق على الأمر العجيب الملفت للنظر، وهي ترد بالقرآن بثلاثة معان :
آية كونية : مثل الشمس والقمر والليل والنهار، وتلك الآيات الكونية رصيد للنظر في الإيمان بواجب الوجود وهو الله سبحانه ؛ فساعة ترى الكون منتظما بتلك الدقة المتناهية ؛ لا بد أن تفكر في ضرورة وجود خالق لهذا الكون.
والآيات العجيبة الثانية هي المعجزات الخارقة للنواميس التي يأتي بها الرسل ؛ لتدل على صدق بلاغهم عن الله، مثل النار التي صارت بردا(٢) وسلاما على إبراهيم، ومثل الماء الذي انفلق وصار كالطود(٣) العظيم أمام عصا موسى.
وهناك المعنى الثالث لكلمة آية، والمقصود به آيات القرآن الكريم.
وفي قول الحق سبحانه :
لقد كان في يوسف وإخوته آياته للسائلين ( ٧ ) [ يوسف ]
نستشف العبرة من كل ما حدث ليوسف الذي كاد له إخوته ليتخلصوا منه ؛ لكن كيدهم انقلب لصالح يوسف.
وفي كل ذلك سلوى(٤) لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لتثبيت فؤاده ؛ فلا يعبر بالا لاضطهاد قومه له، وتآمرهم عليه، ورغبتهم في نفيه إلى الشام، ومحاولتهم قتله، ومحاولتهم مقاطعته، وقد صاروا من بعد ذلك يعيشون في ظلال كنفه.
إذن : فلا تيأس يا محمد ؛ لأن الله ناصرك بإذنه وقدرته، ولا تستبطئ نصر الله، أنت ومن معك، كما جاء في القرآن.
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء(٥) والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ( ٢١٤ ) [ البقرة ]
ويبين لنا الحق سبحانه ما حدث بيوسف بعد القهر الذي أصابه من إخوته، ويمر الوقت إلى أن تتحقق رؤيا الخير التي رآها يوسف عليه السلام.
ويقال : إن رؤيا يوسف تحققت في فترة زمنية تتراوح بين أربعين سنة وثمانين عاما(٦).
ولذلك نجد رؤيا الخير يطول أمد تصديقها ؛ ورؤيا الشر تكون سريعة ؛ لأن من رحمة الله أن يجعل رؤيا الشر يقع واقعا وينتهي، لأنها لو ظلت دون وقوع لأمد طويل ؛ لوقع الإنسان فريسة تخيل الشر بكل صوره.
والشر لا يأتي إلا على صورة واحدة، ولكن الخير له صور متعددة ؛ فيجعلك الله متخيلا لما سوف يأتيك من الخير بألوان وتآويل شتى.
والمثل لدعوة الشر هو دعوة موسى على آل فرعون ؛ حين قال :
ربنا اطمس(٧) على أموالهم واشدد(٨) على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ( ٨٨ ) [ يونس ]
ويقول الحق سبحانه :
لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ( ٧ ) [ يوسف ]
فكل يوم من أيام تلك القصة هناك آية وتجمع آيات.
وهناك قراءة أخرى : " لقد كان في يوسف وإخوته آية للسائلين " أي : أن كل القصة بكل تفاصيلها وأحداثها آية عجيبة.
والحق سبحانه أعطانا في القرآن مثلا على جمع الأكثر من آية في آية واحدة، مثلما قال : وجعلنا ابن مريم وأمه آية(٩).. ( ٥٥ ) [ المؤمنون ]
مع أن كلا منهما آية منفردة.
ولك أن تنظر إلى قصة يوسف كلها على أنها آية عجيبة تشمل كل اللقطات، أو تنظر إلى كل لقطة على أنها آية بمفردها.
ويقول الحق سبحانه في آخر هذه الآية أن القصة : آيات للسائلين ( ٧ ) [ يوسف ]
والسائلون هنا إما من المشركين الذين حرضهم اليهود(١٠) على أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسألة يوسف، وإما من المسلمين الذين يطلبون العبر من الأمم السابقة، وجاء الوحي لينزل على الرسول الأمي بتلك السورة بالأداء الرفيع المعجز الذي لا يقوى عليه بشر.
وأنت حين تقرأ السورة ؛ قد تأخذ من الوقت عشرين دقيقة، هات أنت أيّ إنسان ليتكلم ثلث ساعة، ويظل حافظا لما قاله ؛ لن تجد أحدا يفعل ذلك ؛ لكن الحق سبحانه قال لرسوله صلى الله عليه وسلم :
سنقرئك فلا تنسى ( ٦ ) [ الأعلى ]
ولذلك نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يحفظ ما أنزل إليه من ربه، ويمليه على صحابته ويصلي بهم ؛ ويقرأ في الصلاة ما أنزل عليه، ورغم أن في القرآن آيات متشابهات ؛ إلا أنه صلى الله عليه وسلم لم يخطئ مرة أثناء قراءته للقرآن.
والأمثلة كثيرة منها قوله الحق :
واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ( ١٧ ) [ لقمان ]
ومرة أخرى يقول :
إن ذلك لمن عزم(١١) الأمور ( ٤٣ ) [ الشورى ]
وكذلك قول الحق سبحانه :
إن المتقين في جنات وعيون ( ٤٥ ) [ الحجر ]
وفي موقع آخر يقول الحق :
إن المتقين في جنات ونعيم ( ١٧ ) [ الطور ]
فكيف يتأتى لبشر أمي أن يتذكر كل ذلك، لولا أن الذي أنزل عليه الوحي قد شاء له ذلك.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة(١٢) إن أبانا لفي ضلال(١٣) ( ٨ )
٢ - وذلك في قوله تعالى: قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (٦٨) قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (٦٩) [الأنبياء] والبرد: ضد الحر، والبرودة: نقيض الحرارة، قال علي بن أبي طالبي: أي لا تضر به، قال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله عز وجل قال: وسلاما (٦٩) [الأنبياء] لآذى إبراهيم بردها، وقال جويبر عن الضحاك: كوني بردا وسلاما على إبراهيم (٦٩) [الأنبياء قالوا: ضعوا له حظيرة من حطب جزل وأشعلوا فيه النار من كل جانب، فأصبح ولم يصبه منها شيء حتى أخمدها الله" [انظر تفسير ابن كثير ٣/ ١٨٤]..
٣ - الطود: الجبل الثابت العالي، قال تعالى: فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (٦٣) [الشعراء]..
٤ - سلأنى من همي تسلية وأسلاني أي كشفه عني، وانسلي عني الهم وتسلي بمعنى أي: انكشف. [لسان العرب- مادة: سلا].
٥ - البأساء: الفقر والشدة، قال تعالى: والصابرين في البأساء والضراء.. (١٧٧) [البقرة] في وقت الفقر والحاجة، والضراء: طول المرض أو أي شدة أو نقص الأموال والأنفس، وذلك مؤلم محزن وهو ضد السراء. [القاموس القويم ١/ ٥٣، ٢٩٢]..
٦ - "قال أبو عثمان النهدي عن سليمان: كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة، وقال الحسن: كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه ودموعه تجري على خديه" وهذا يوافق ما قاله ابن كثير في تفسيره [٢/ ٤٩١]..
٧ - طمس الشيء: تغيرت صورته أو انمحى أثره. وطمسه غيره: شوهه أو محاه وأزاله، وطمس عينه: أعماها، وطمس على عينه: أعماها مضمنة معنى غطى وغشى عليها: قال تعالى: ولو نشاء لطمسنا على أعينهم..(٦٦) [يس][القاموس القويم ١/ ٤٠٦ باختصار]..
٨ - شده: قواه، وشد الحبل: ربطه ربطا محكما، وشد أسره: قوى قيده وأحكم وثاقه فلا يفلت منه أبدا، أي: أحكم السيطرة عليه. وشددنا أسرهم..(٢٨) [الإنسان] أي: أحكمنا وثاقهم وسيطرنا عليهم، وقوله: وشددنا ملكه..(٢٠) [ص] أي: قويناه. [القاموس القويم ١/ ٣٤٣، ٣٤٤ بتصرف]..
٩ -أي: أنه سبحانه جعلها آية للناس، أي حجة قاطعة على قدرته على ما يشاء، فإنه خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى. قاله ابن كثير في تفسيره لهذه الآية [٣/٢٤٦]..
١٠ - قال القرطبي في تفسيره [٤/ ٣٤٥٠]: "أي: لقد كان للذين سألوا عن خبر يوسف آية فيما خبروا به، لأنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فقالوا: أخبره عن رجل من الأنبياء كان بالشام أخرج ابنه إلى مصر، فبكى عليه حتى عمى؟- ولم يكن بمكة أحد من أهل الكتاب، ولا من يعرف خبر الأنبياء. وإنما وجه اليهود من المدينة يسألون عن هذا- فأنزل الله عز وجل سورة "يوسف" جملة واحدة، فيها كل ما في التوراة من خبر وزيادة، فكان ذلك آية للنبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة إحياء عيسى بن مريم عليه السلام الميت"..
١١ - عزم الأمر: من المجاز أي نفذ بعزيمة قوية من صاحبه، قال تعالى: فإذا عز الأمر..(٢١) [محمد] فعل لازم أيك نفذ وتقرر وثبت بعزيمة قوية منكم، ـوقال تعالى: وإن عزموا الطلاق (٢٢٧) [البقرة] أي: عقدوا النية على إتمامه. وقال تعالى: فإن ذلك من عزم الأمور (١٨٦) [آل عمران] أي: من الأمور الجادة الرشيدة التي لا يجوز التردد فيها أو من الأمور العظيمة التي يفعله أصحاب العزم القوي [القاموس القويم ٢/ ٢٠]..
١٢ -العصبة: الجماعة المترابطة، قال تعالى عن إخوة يوسف قولهم: ونحن عصبة..(٨) [يوسف]، عصبه: ربطه ربطا شديدا، وقوله: هذا يوم عصيب(٧٧) [هود] أي شديد العصب يعصب الناس ويضيق عليهم أو شديد الحر، شديد الهول [القاموس القويم ٢/ ٢٢]..
١٣ - الضلال: النسيان والضياع، وقد يطلق الضلال على عمل خلاف الأولى كقوله في قصة يوسف: إنك لفي ضلالك القديم (٩٥) [يوسف] أي: شدة تعلقك بيوسف وحزنك عليه فهو في نظرهم ضلال. [القاموس القويم: ١/ ٣٩٥]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي