ﭡﭢﭣﭤﭥ

يعقوب لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ أي لفوائد ما علمناه أي أنه عامل بما علمه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨) إن يعقوب بهذه الصفة والعلم وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ أي في محل حكمه آوى إِلَيْهِ أَخاهُ أي أنزله معه في منزله أي لما أتى إخوة يوسف بأخيه بنيامين قالوا له: هذا أخونا قد جئناك به. فقال لهم: أحسنتم وستجدون ذلك عندي فأكرمهم وأضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة، فبقي بنيامين وحيدا فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه. فقال يوسف: بقي أخوكم فريدا، فأجلسه معه على مائدة وجعل يواكله، ثم أنزل كل اثنين منهم بيتا. فبقي بنيامين وحده وقال هذا لا ثاني له فاتركوه معي فضمه يوسف إليه وشمّ ريح أبيه منه حتى أصبح، فلما خلا به قال له يوسف: ما اسمك؟ قال: بنيامين، قال: وما بنيامين؟ قال: المثكل وهو لما ولد هلكت أمه، قال: وما اسم أمك؟ قال: راحيل بنت لاوى
. قال: فهل لك من ولد؟ قال: لي عشرة بنين قال: فهل لك من أخ لأمك؟ قال: كان لي أخ فهلك، قال يوسف: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: بنيامين ومن يجد أخا مثلك أيها الملك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل! فبكى يوسف عليه السلام وقام إليه وعانقه وقالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ أي فلا تحزن بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) أي لا تلتفت إلى ما صنعوه فيما تقدم من أعمالهم المنكرة وفيما يعملون بك من الجفاء ويقولون لك من التعيير والأذى، قال بنيامين: فأنا لا أفارقك، وقال يوسف: قد علمت اغتمام والدك بي فإذا حبستك عندي ازداد غمه ولا يمكنني هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع، وأنسبك إلى ما لا يحمد قال: لا أبالي فافعل ما بدا لك فإني لا أفارقك. قال يوسف: فإني أدس صاعي في رحلك، ثم أنادي عليك بالسرقة لأحتال في ردك بعد إطلاقك معهم. قال: فافعل ما شئت فذلك قوله تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ أي فلما هيأ يوسف لهم ما يحتاجون للسفر وحمل لهم أحمالهم من الطعام على إبلهم جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ أي دسّ مشربته التي كان يشرب فيها في وعاء طعام أخيه الشقيق بنيامين، ثم أمرهم بالسير، ثم أرسل خلفهم عبده ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أي نادى مناد مع رفع صوت مرارا كثيرة أَيَّتُهَا الْعِيرُ أي يا أصحاب الإبل التي عليها الأحمال إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠) وهذا الكلام إما على سبيل الاستفهام، وإما على قصد المعاريض. والمعنى إنكم لسارقون ليوسف من أبيه ليكون للمنادي مندوحة عن الكذب.
قالُوا أي إخوة يوسف وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ أي والحال إنهم التفتوا إلى جماعة الملك المؤذن وأصحابه: ماذا تَفْقِدُونَ (٧١) أي أي شيء صاع منكم. قالُوا أي أصحاب الملك: نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ أي نطلب إناء الملك الذي كان يشرب فيه ويكيل وإنما اتخذ هذا الإناء مكيالا لعزة ما يكال به في ذلك الوقت قال المؤذن:
وَلِمَنْ جاءَ بِهِ أي بالإناء من عند نفسه مظهرا له قبل التفتيش حِمْلُ بَعِيرٍ من الطعام أجرة له وَأَنَا بِهِ أي بالحمل زَعِيمٌ (٧٢) أي كفيل أؤديه إليه، لأن الإناء كان من الذهب وقد اتهمني الملك. قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ يا أهل مصر ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ أي أرض مصر بمضرة

صفحة رقم 542

الناس وَما كُنَّا سارِقِينَ (٧٣) لأنه قد ظهر من أحوالهم امتناعهم من التصرف في أموال الناس بالكلية لا بالأكل ولا بإرسال الدواب في مزارع الناس، ولأنهم لما وجدوا بضاعتهم في رحالهم حملوها من بلادهم إلى مصر ولم يستحلوا أخذها. قالُوا أي أصحاب يوسف: فَما جَزاؤُهُ أي فما جزاء سرقة الصواع في شريعتكم إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤) في نفي كون الصواع فيكم: قالُوا أي إخوة يوسف: جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ أي جزاء سرقة الصواع هو أخذ الإنسان الذي وجد الصواع في متاعه فَهُوَ جَزاؤُهُ أي فاسترقاق ذلك الشخص سنة هو جزاء سرقته لا غير، فأفتوا بشريعتهم كَذلِكَ أي مثل ذلك الجزاء نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) بالسرقة في أرضنا هذا من بقية كلام إخوة يوسف. وقيل: من كلام أصحاب يوسف جوابا لقول إخوته ذلك فَبَدَأَ أي يوسف بعد ما رجعوا إليه بِأَوْعِيَتِهِمْ أي بتفتيش أوعية الإخوة العشرة قَبْلَ تفتيش وِعاءِ أَخِيهِ بنيامين لنفي التهمة.
روي أنه لما بلغت النوبة إلى وعائه قال: ما أظن هذا أخذ شيئا؟ فقال إخوة يوسف: والله لا نتركك حتى تنظر في رحله فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أي الصواع مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ فقال له: فرجك الله كما فرجتني كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ أي كما ألهمنا إخوة يوسف إن جزاء السارق أن يسترق كذلك ألهمنا يوسف حتى دسّ الصواع في رحل أخيه ليضمه إليه على ما حكم به إخوته ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أي لم يكن يوسف يأخذ أخاه في حكم الملك بسبب من الأسباب إلا بسبب مشيئة الله، وهو حكم أبيه. أي وكان حكم ملك مصر في السارق أن يضرب ويغرم مثلي قيمة المسروق، فما كان يوسف قادرا على حبس أخيه عند نفسه إلا أن الله تعالى كادله ما جرى على لسان إخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتنوين. والباقون بالإضافة، أي نرفع رتبا كثيرة عالية من العلم من نشاء رفعه وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) أي إن إخوة يوسف كانوا علماء فضلاء، ويوسف كان زائدا عليهم في العلم ففوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى فليس فوقه أحد. قالُوا أي إخوة يوسف تبرئة لأنفسهم: إِنْ يَسْرِقْ أي بنيامين سقاية الملك فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ أي قالوا للملك: إن هذا الأمر ليس بغريب من بنيامين فإن أخاه الذي هلك كان سارقا أيضا. قال سعيد بن جبير: كان جد يوسف أبو أمه كافرا يعبد الأوثان فأمرته أمه بأن يسرق تلك الأوثان ويكسرها فلعله يترك عبادة الأوثان ففعل ذلك فهذا هو السرقة فَأَسَرَّها أي إجابتهم يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ أي في قلبه وَلَمْ يُبْدِها أي لم يظهر الإجابة لَهُمْ قالَ أي يوسف في نفسه أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً أي منزلة في السرقة من يوسف حيث سرقتم أخاكم من أبيكم وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧) أي بحقيقة ما تذكرون من أمر يوسف هل يوجب عود مذمة إليه أم لا؟ قالُوا مستعطفين: يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ أي ملك مصر إِنَّ لَهُ أي

صفحة رقم 543

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا

تحقيق

محمد أمين الضناوي

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1417
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية