ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥ

ويعلم الأخ الأكبر أن يعقوب عليه السلام قد يكذب أولاده ؛ لأن هناك سوابق لهم ؛ لذلك أوصاهم الأخ الأكبر أو رئيس الرحلة أن يقولوا لأبيهم –إن كذبهم- ما جاء به الحق على ألسنتهم :{ واسأل القرية٧ التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون ( ٨٢ ) ؛
أي : أنك يا أبانا إن كنت تشك في أقوالنا ؛ يمكنك أن تطلب أدلة أخرى من المكان الذي كنا فيه ؛ لأن هذا الموضوع قد أحدث ضجة، وحدث أمام جمع كبير من الناس، والقوافل التي كانت معنا شهدت الواقعة ؛ فقد أذن مؤذن بالحادث، وتم تفتيش العير علنا.
فإذا أردت أن تتأكد من صدق أقوالنا، فاسأل العير التي كانت تسير معنا في الطريق، وهم يعرفون هذه القضية كما نعرفها، أو اسأل أهل القرية التي جئنا منها
ونلحظ هنا أن الحق سبحانه أورد كلام إخوة يوسف لأبيهم يعقوب : واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها ( ٨٢ )
ونحن نعلم أن كل حدث من الأحداث لا بد له من فاعل، ومن مفعول يقع عليه، ومن مكان يقع فيه، ومن زمان يقع فيه ؛ ومن سبب يوجبه، ومن قوة تنهض به. وفي بعض الحالات نجد أن المكان هو الأمر الظاهر والقوي في الحدث، فننسبه إليه، فيقال : واسأل القرية.. ( ٨٢ )
والمراد بطبيعة الحال أن يسأل أهل القرية، أو : أن المسألة كانت واضحة تماما لدرجة أن الجماد يعرف تفاصيلها، أو : أنك نبي ويوحي لك الله فسله أن يجعل الأرض تخبرك بما وقع عليها.
وكذلك قولهم : واسأل القرية التي كنا فيها والعير.. ( ٨٢ ) ونعلم أن العير هي المطايا ؛ سواء أكانت نياقا أو كانت من الجمال أو الحمير أو البغال التي تحمل البضائع. وحين يقال : واسأل القرية التي كنا فيها والعير.. ( ٨٢ ) أي : أن العير كان لها في الأمر شيء فوق الملابسات كلها.
ومثال هذا ما كان في موقعة بدر ؛ فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلقى العير القادمة من الشام وهي محملة بالبضائع ؛ ليصادرها إيفاء ما استولى عليه الكافرون من أموال المهاجرين التي كانت بمكة، ولم يكن مع هذه العير إلا قليل من الحرس والرعاة.
ولكن حين تكلم عن المقاتلين الذي قدموا من مكة ؛ وصفهم بالنفير، أي : الجماعة الذين نفروا لمواجهة معسكر الإيمان.
إذن : فكل حدث يأخذ الأمر البارز فيه.
وهنا يورد الحق سبحانه ما جاء على ألسنة إخوة يوسف حينما عادوا ليلقوا أباهم، وليس معهم أخوهم بنيامين ؛ وكذلك تخلف أخيهم الكبير أو رئيس الرحلة. يقول الحق سبحانه : واسأل القرية التي كنا فيها.. ( ٨٢ )
ويجوز ان تفتيشهم قد تم في مكان بعيد قليلا عن العمران ؛ وفحص جنوده أو مساعدو يوسف أمتعتهم التي عثروا فيها على صواع الملك.
وسمى المكان " قرية "، مثلما نفعل نحن حاليا حين نخصص مكانا للجمارك، نفحص فيه البضائع الخارجة أو الداخلة إلى البلد، فقولهم : واسأل القرية التي كنا فيها.. ( ٨٢ ) أي : اسأل أهل الموقع الذي حدث فيه التفتيش، وكذلك قولهم : والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون ( ٨٢ )
أي : اسأل من كانوا معنا، وجئنا بصحبتهم من أصحاب القوافل الأخرى.
وكرروا قولهم : وإنا لصادقون ( ٨٢ ) لأنهم علموا سابق كذبهم من قبل ذلك ؛ لذلك أرادوا هنا أن يثبتوا صدقهم ؛ وحين يسأل أبوهم يعقوب ؛ سيجد أنهم صادقون فعلا، وهم لم يطلبوا شهادة الغير إلا أنهم واثقون من صدقهم هذه المرة.
وجاء الحق سبحانه بهذه الجملة الإسمية : وإنا لصادقون ( ٨٢ ) لأنهم قد فهموا أن والدهم قد شك فيهم من قبل، حين جاءوا بدم كذب، وادعوا أنه قميص يوسف، وأن الذئب قد أكله ويأتي الحق سبحانه بما جاء على لسان يعقوب : قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل٨ عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم ( ٨٣ )
الأمور التي تخالف الضمير ؛ ويستحي منها ؛ ويخشى مغبتها٩ هي أمور تستعصي على النفس ؛ وتحتاج النفس إلى علاج حتى تبرزها، وتحتاج إلى من ييسر لها، ما أن تقدم على فعل الأمر المستهجن، وهذا ما يقال له : " سول ". وقول الحق سبحانه على لسان يعقوب : بل سولت لكن أنفسكم أمرا.. ( ٨٣ ) أي : يسرت لكم أنفسكم أمرا يصعب أن تقبله النفوس المستقيمة، وسبق أن قال يعقوب لحظة أن جاءوا له بقميص يوسف وعليه الدم الكاذب : بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ( ١٨ )
وهنا طلب يعقوب عليه السلام العون مما يدل على أن ما قالوه، وكذلك أحداث القصة لن تقف عند هذا الحد، بل ستأتي من بعد ما قالوه أحداث تتطلب تجنيد قوى الصبر في النفس، وتتطلب معونة الله.
ويختلف الأمر هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ما جاء بعد الحديث عن تسويل النفس، واستلهام الصبر من الله، فهبات الفرج قد اقتربت، فقال : عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم ( ٨٣ ) في هذه الآية طلب الأمل الذي يوحى بالفرج ؛ وقد كان.
وبعض من الذين تأخذهم الغفلة يتساءلون : لماذا قال يعقوب : عسى الله أن يأتيني بهم جميعا.. ( ٨٣ )
والغائب عنه هما يوسف وأخوه ؟
ونقول : ولماذا تنسون كبير الإخوة الذي رفض أن يبرح مصر، إلا بعد أن يأذن له يعقوب، أو يفرج عنه الله ؟
لقد غاب عن يعقوب ثلاث من أولاده : يوسف وبنيامين وشمعون ؛ لذلك قال : عسى الله أن يأتيني بهم جميعا.. ( ٨٣ ) ولم يقل : يأتيني بهما.
ويذيل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله : إنه هو العليم الحكيم ( ٨٣ )
فالله سبحانه يعلم أين هم ؛ لأنه العليم بكل شيء، وهو سبحانه حكيم فيما يجريه علينا من تصرفات.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير