ثم أمرهم بالرجوع إلى أبيهم، والإتيان به وبمن معه من أولادهم، فقال :
اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ * وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ * قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّآ أَن جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قَالُواْ يا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
يقول الحق جل جلاله : قال يوسف لإخوته لما عرفوه، وأزال ما بينه وبينهم من الوحشة، وقد أخذ قميصه : اذهبوا بقميصي هذا ، رُوي أن هذا القميص كان لإبراهيم الذي لبسه حين كان في النار، وقيل : ألبسه له جبريل حين خرج من النار، وكان من ثياب الجنة، ثم كان لإسحاق ثم ليعقوب، ثم كان دفعه ليوسف، فكان عنده في حِفَاظ من قصب، وكان في عنقه في الجب، وأمره جبريل بإرساله، وقال : إنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل واحد. وبهذا تتبين الغرابة في أن وجد يعقوبُ ريحه من بُعدٍ ولو كان من قميص الجنة لما كان في ذلك غرابة، ويجده كل أحد. ه.
قلت : وما قاله لا ينهض ؛ لأن ما ظهر من الجنة إلى دار الدنيا لا يبقى على حاله دائماً ؛ لأنه من أسرار الغيب، بل لا يجده إلا أهل الذوق من أهل القرب، كنور الحجر الأسود، وغيره مما نزل من الجنة. والله تعالى أعلم.
ثم قال لهم اذهبوا به : فألقوه على وجهِ أبي يأتِ بصيراً أي : يرجع بصيراً، علم ذلك بوحي، أو تجربة من القميص، وأتوني بأهلكم أجمعين ؛ نسائكم وذراريكم وأموالكم.
سُوَيْداء قََلْبِي أَصْبَحَت حَرماً لَكُم تَطُوفُ بها الأسرارُ من عَالَم اللُّطف وسائلُ ما بينَ المُحبِّين أَصْبَحَتْ تَجِلُّ عن التَّعْرِيفِ والرَّسم والعُرْفِ رَسَائِل جَاءَتْنا بِِرُؤْيَا جَنَابِكُمْ عَوارِِفُ عُرف فَاقَ كُلَّ شّذا عَرف
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي