و ( لو )حرف شرط يلزم لها جواب شرط، وقد ترك الحق سبحانه جواب الشرط هنا اعتماداً على يقظة المستمع. وإن كان مثل هذا القول ناقصاً حين ننطق نحن به، فهو ليس كذلك حين يأتي من قول الله سبحانه ؛ فهو كامل فيمن تكلم، وقد تركها ليقظة المستمع للقرآن الذي يبتدر المعاني، ويتذكر مع هذه الآية قوله الحق :
لو أنزلنا عليك كتاباً في قرطاسٍ فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين " ٧ " ( سورة الأنعام ).
وكذلك قول الحق سبحانه : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيءٍ قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون " ١١١ " ( سورة الأنعام )
إذن : من كل نظائر تلك الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نأخذ جواب الشرط المناسب لها من تلك الآيات ؛ فيكون المعنى : لو أن قرآناً سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى لما آمنوا.
ويروي أن بعضاً من مشركي قريش مثل : أبي جهل وعبد الله ابن أبي أمية جلسا خلف الكعبة وأرسلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وقال له عبد الله : إن سرك أن نتبعك فسير لنا جبال مكة بالقرآن، فأذهبها عنا حتى تنفسح، فإنها أرض ضيقة، واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً، حتى نغرس ونزرع، فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حين سخر له الجبال تسير معه، وسخر لنا الريح فنركبها إلى الشام نقضي عليها ميرتنا وحوائجنا، ثم نرجع من يومنا، فقد سخرت الريح لسليمان بن داود، ولست بأهون على ربك من سليمان، وأحيى لنا قصب جدك، أو من شئت أنت من موتانا نسأله، أحق ما تقول أنت أم باطل ؟ فإن عيسى كان يحيي الموتى، ولست بأهون على الله منه، فأنزل الحق سبحانه هذه الآية وما قبلها للرد عليهم.
وكانت تلك كلها مسائل يتلككون بها ليبتعدوا عن الإيمان ؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه ؛ وجاء القرآن يحمل منهج السماء إلى أن تقول الساعة.
وقد طلبوا أن تبتعد جبال مكة ليكون الوادي فسيحاً ؛ ليزرعوا ويحصدوا ؛ وطلبوا تقطيع الأرض، أي : فصل بقعة عن بقعة ؛ وكان هذا يحدث بحفر جداول من المياه، وقد قال الكافرون : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً " ٩٠ " ( سورة الإسراء )
والمراد من تقطيع الأرض حسب مطلوبهم أن تقصر المسافة بين مكان وآخر، بحيث يستطيع السائر أن يستريح كل فترة ؛ فالمسافر يترك في كل خطوة من خطواته أرضاً ؛ ويصل إلى أرض أخرى، وكل يقطع الأرض على حسب قدرته ووسيلة المواصلات التي يستخدمها.
فالمترف يريد أن يكون المسافة كبيرة بين قطعة الأرض والأخرى ؛ لأنه يملك الجياد التي يمكن أن يقطع بها المسافة بسهولة، أما من ليس لديه مطية ؛ فهو يحب أن تكون المسافات قريبة ليستطيع أن يستريح.
ونلحظ أن ذلك في زماننا المعاصر، فحين زاد الترف صارت السارات تقطع المسافة من القاهرة إلى الإسكندرية دون توقف ؛ عكس ما كان يحدث قديماً حين كانت السيارات تحتاج إلى راحة ومعها المسافرون بها، فيتوقفون في منتصف الطريق.
ومثل ذلك قد حدث في مملكة سبأ، يقول الحق سبحانه :
فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم.. " ١٩ " ( سورة سبأ )أي : اجعل المسافة بين مكان وآخر بعيدة، كي يتمتع المسافر القادر بالمناظر الطيبة. ولاحظنا أيضاً تمادي المشركين من قريش في طلب المعجزات الخارقة ؛ بأن طلبوا إحياء الموتى في قول الحق سبحانه : أو كلم به الموتى.. " ٣١ " ( سورة الرعد )
وبعضهم طلب إحياء قصي بن كلاب الجد الأكبر لرسول الله ولقريش ؛ ليسألوه : أحق ما جاء به محمد ؟ ولكن القرآن لم يأت لمثل تلك الأمور ؛ وحتى لو كان قد جاء بها لما آمنوا. ومهمة القرآن تتركز في أنه منهج خاتم صالح لكل عصر ؛ وتلك معجزته.
ويقول سبحانه : بل لله الأمر جميعاً.. " ٣١ " ( سورة الرعد )
وكلمة " أمر " تدل على أنه شيء واحد، وكلمة " جميعاً " تدل على متعدد، وهكذا نجد أن تعدد الرسالات والمعجزات إنما يدل على أن كل من أمر تلك الرسالات إنما صدر عن الحق سبحانه ؛ وهو الذي اختار كل معجزة لتناسب القوم الذين ينزل فيهم الرسول.
ويتابع سبحانه : أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً.. " ٣١ "
( سورة الرعد ).
وكلمة " ييأس " يقال إنها هنا بمعنى " يعلم " ؛ فهي لغة بلهجة قريش، أي : ألم يعلم الذين آمنوا أن هؤلاء الكفار لم يهتدوا ؛ لأن الله لم يشأ هدايتهم. وكان المؤمنون يودون أن يؤمن صناديد قريش كي يخف الجهد عن الفئة المسلمة ؛ فلا يضطهدونهم، ولا يضايقونهم في أرزاقهم ولا في عيالهم.
ويوضح الحق سبحانه هنا أن تلك المسألة ليست مرتبطة برغبة المؤمن من هؤلاء ؛ بل الإيمان مسألة تتطلب أن يخرج الإنسان ما في قلبه من عقيدة، وينظر إلى القضايا بتجرد، وما يقتنع به يدخله في قلبه.
وبذلك يمتلئ الوعاء العقدي بما يفيد ؛ كي لا تدخل في قلبك عقيدة، ولا تأتي عقيدة أخرى تطرد العقيدة، أو تزيغ قلبك عما تعتقده، يقول تعالى : ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.. " ٤ " ( سورة الأحزاب )فالوعاء القلبي كالوعاء المادي تماماً ؛ لا يقبل أن يتداخل فيه جرمان أبداً، فإن دخل جرم على جرم ؛ إن كان أقوى فهو يطرد من القلب الأدنى منه.
والمثل على ذلك : لنفترض أن عندنا إناءً ممتلئاً عن آخره ؛ ويحاول واحد منا أن يضع فيه كرة صغيرة من الحديد ؛ هنا سيجد أن الماء يفيض من حواف الإناء بما يوازي حجم كرة الحديد، وهذا ما يحدث في الإناء المادي، وكذلك الحال في الإناء العقدي.
ولذلك يقول الحق سبحانه في الحديث القدسي :
" لا يجتمع حبي وحب الدنيا في قلب ".
وهكذا نرى أن هناك حيزاً للمعاني أيضاً مثلما يوجد حيز للمادة، فإذا كنت تريد حقيقة أن تدخل المعاني العقدية الصحيحة في قلبك ؛ فلابد لك من أن تطرد أولاً المعاني المناقضة من حيز القلب، ثم ابحث بالأدلة عن مدى صلاحية أي من المعنيين ؛ وما تجده قوي الدليل ؛ صحيح المنطق ؛ موفور القوة والحجة ؛ فأدخله في قلبك.
ولم يفعل الكفار هكذا ؛ بل تمادوا في الغي إصراراً على ما يعتقدون من عقيدة فاسدة ؛ أما من أسلم منهم فقد أخرج من قلبه العقيدة القديمة ؛ ولم يصر على المعتنق القديم ؛ بل درس وقارن ؛ فأسرع إلى الإسلام.
أما من كان قلبه مشغولاً بالعقيدة السابقة ؛ ويريد أن يدخل العقيدة الإسلامية في قلبه ؛ فهو لم ينجح في ذلك ؛ لأن قلبه مشغول بالعقيدة القديمة.
وإذا كنت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم تريد من هؤلاء أن يؤمنوا ؛ فلابد أن يعتمد ذلك على إرادتهم، وأن يخرجوا من قلوبهم العقيدة الفاسدة ؛ وأن يبحثوا عن الأصح والأفضل بين العقيدتين. ولذلك يعلمنا الحق سبحانه كيف نصل إلى الحقائق بسهولة، فيقول لرسوله صلى الله عليه وسلم :
قل إنما أعظكم بواحدةٍ أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنةٍ.. " ٤٦ " ( سورة سبأ )أي : قل يا محمد لمن كفر بك : إني أعظكم عظة، وأنت لا تعظ إلا من تحب أن يكون على الحق ؛ وهذا يفسر قول الحق سبحانه :
لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم " ١٢٨ " ( سورة التوبة ).
ولهذا يريد صلى الله عليه وسلم أن تكونوا مؤمنين ؛ لذلك يدعوكم أن تقوموا لله ؛ لا لجاه أحد غيره ؛ لأن جاه أي كائن سيزول مهما كان هذا الواحد، ولا تقولن لنفسك : إن العبيد سيتساوون معك. بل قم لله إما مثنى أي أن تكون قائماً ومعك آخر ؛ أو يقوم غيرك اثنين اثنين ليناقش كل منكم مع من يجلس معه ؛ ولا يتحيز أحد منكم لفكر مسبق بل يوجه فكره كله متجرداً لله.
وليتساءل كل واحد : محمد هذا، صفته كذا وكذا، وقد فعل كذا، والقرآن الذي جاء به يقول كذا، وسيجد الواحد منكم نفسه وقد اهتدى للحق بينه وبين نفسه، وبينه وبين من جلس معه ليناقشه فيستعرضان معه تاريخ محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به.
وحين يتناقش اثنان لن يخاف أي منهما أن يهزمه الآخر، لكن لو انضم إليهما ثالث ؛ فكل واحد يريد أن يعتز برأيه ؛ ويرفض أن يقبل رأي إنسان غيره، ويخشى أن يعتبر مهزوماً في المناقشة ؛ ويرفض لنفسه احتمال أن يستصغره أحد. ولذلك قال الحق سبحانه :
مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنةٍ.. " ٤٦ " ( سورة سبأ )و " الجنة " هي اختلال العقل ؛ أي : أن من به جنة إنما يتصرف ويسلك بأعمال لا يرتضيها العقل. ويقرن الحق سبحانه بين العقل وبين الخلق، فيقول : وإنك لعلى خلقٍ عظيمٍ " ٤ " ( سورة القلم )
ويقال : فلان على خلق. أي : يملك من الصفات ما يجعله على الجادة من الفضائل ؛ مثل الصدق والأمانة ؛ وهذه صفات ما يجعله على الجادة من الفضائل ؛ مثل الصدق والأمانة ؛ وهذه صفات ينظمها مواقفها الفكر العقلي ؛ وهو الذي يميز لنا أي المواقف تحتاج إلى شدة ؛ أو لين ؛ أو حكمة، وكل هذه أمور يرتبها العقل.
والخلق الرفيع لا يصدر عن مجنون ؛ لأنه لا يعرف كيف يختار بين البدائل ؛ لذلك لا نحاسبه نحن ؛ ولا يحاسبه الله أيضاً.
وحين يأمرهم الحق سبحانه أن يبحثوا : هل محمد يعاني من جنة ؟ فالحق سبحانه يعلم مقدماً أن رسول الله صلى الله عيه وسلم بشهادتهم يتمتع بكمال الخلق ؛ بدليل أن أهم ما كانوا يملكونه كانوا يستأمنون عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبدليل أنه صلى الله عليه وسلم حينما دخل عليهم وكانوا مختلفين في أمر بناء الكعبة ؛ ارتضوه حكماً. ولذلك يقول سبحانه : ن والقلم وما يسطرون " ١ " ما أنت بنعمة ربك بمجنون " ٢ " ( سورة القلم ).
وهكذا رأينا أن هؤلاء الكفار ما كانوا ليؤمنوا ؛ ولم يكن الله ليهديهم ؛ لأنهم كانوا لا يملكون أدنى استعداد للهداية ؛ وكأنهم أدمنوا الكفر والعياذ بالله ؛ وقد طبع الله على قلوبهم فزادهم كفراً ؛ فما في تلك القلوب من كفر لا يخرج منها ؛ وما بخارجها لا يدخل فيها.
وقد ظن بعض من المسلمين أن كفر هؤلاء قد يشقي المؤمنين بزيادة العنت من الكافرين ضدهم ؛ لذلك يوضح الحق سبحانه لأهل الإيمان أن نصره قريب، فيقول سبحانه :
ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد " ٣١ " ( سورة الرعد )أي : اطمئنوا يا أهل الإيمان ؛ فلن يظل حال أهل الكفر على ما هو عليه ؛ بل ستصيبهم الكوارث وهم في أماكنهم، وسيشاهدون بأعينهم كيف ينتشر الإيمان في المواقع التي يسودونها ؛ وتتسع رقعة أرض الإيمان، وتضيق رقعة أهل الكفر ؛ ثم يأتي نصر الله وقد جاء نصر الله ولم يبق في الجزيرة العربية إلا من يقول : " لا إله إلا الله، محمد رسول الله ".
وهكذا تنبأت الآية بمجيء الأمل بعد اليأس، كي لا يظل اليأس مسيطراً على حركة المسلمين وعلى نفوسهم، واستجاب الحق سبحانه لدعوته صلى الله عليه وسلم حين دعاه قائلاً : " اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف ". وقتل صناديدهم واحداً وراء الآخر ؛ ولكن عنادهم استمر ؛ وبلغ العناد حد أن ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم كانتا متزوجتين من ابني أبي لهب ؛ فلما أعلن النبي صلى الله عليه وسلم رسالته ؛ قال أبو لهب وزوجته : لابد أن يطلق أبناؤنا بنات محمد ؛ فلما طلق أولهما بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائل
تفسير الشعراوي
الشعراوي