ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨ

والمصدر الأساسي الذي وعد المتقين بالجنة هنا هو الله، وقد بلغ عنه الرسل عليهم السلام هذا الوعد، وتلاهم العلماء المبلغون عن الرسل. وأنت حين تنظر إلى فعل يشيع بين عدد من المصادر، تستطيع أن تبحث عن المصدر الأساسي، والمثل هو قول الحق سبحانه : الله يتوفى الأنفس حين موتها.. " ٤٢ " ( سورة الزمر ) ويقول في موقع آخر من القرآن : قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم.. " ١١ " ( سورة السجدة ).
وهكذا تكون التوفية قد آلت إلى الله ؛ وآلت إلى ملك الموت، وقد أخذ ملك الموت مسئولية التوفية من إسناد الحق له تلك المهمة ؛ ويكون نسبتها لملك الموت هو نوع من إيضاح الطرف الذي يوكل له الحق سبحانه تنفيذ المهمة. ومرة يأتي الحق سبحانه بالمصدر الأصلي الذي يصدر الأمر لملك الموت بمباشرة مهمته. وهنا في الآية الكريمة نجد قول الحق سبحانه : وعد المتقون.. " ٣٥ " ( سورة الرعد ).
وهي مبنية لما لم يسم فاعله ؛ فالوعد منه سبحانه. ونعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعد أيضاً، فهانحن قد جاء إلينا خبر بيعة العقبة ؛ حين أخذ البيعة من الأنصار، وقالوا له : خذ لنفسك، فأخذ لنفسه ما أراد، ثم قالوا له : وماذا نأخذ نحن إن أدينا هذا ؟ فقال لهم : " لكم الجنة ".
وقال صلى الله عليه وسلم ذلك ؛ لأن العمل الذي فعلوه ؛ لا يكفيه أجراً إلا الجنة، ومن المعقول أن أي واحد من الذين حضروا العقبة قد يتعرض للموت من بعد معاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو أنه وعدهم بما في الدنيا من متاع قد يأخذه البعض فيما بعد ؛ فالذي يموت قبل هذا لابد أن يدرك شيئاً مما وعد الرسول من عاهدوه ؛ ولذلك أعطاهم ما لا ينفذ، وهو الوعد بالجنة.
والحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول : مثل الجنة.. " ٣٥ " ( سورة الرعد ) أي : أنه يضرب لنا المثل فقط ؛ لأن الألفاظ التي نتخاطب بها نحن قد وضعت لمعان نعرفها ؛ وإذا كانت في الجنة أشياء لم ترها عين ولم تسمعها أذن، ولم تخطر على بال بشر ؛ فمن الممكن أن نقول إنه لا توجد ألفاظ عندنا تؤدي معنى ما هناك، فيضرب الله الأمثال لنا بما نراه من الملذات ؛ ولكن يأخذ منها المكدرات والمعكرات.
وهكذا نعرف أن هناك فارقاً بين " مثل الجنة " وبين " الجنة "، فالمثل يعطيني صورة أسمعها عن واقع لا أعلمه ؛ لأن معنى التمثيل أن تلحق مجهولاً بمعلوم لتأخذ منه الحكم. مثلما تقول لصديق : أتعرف فلاناً ؛ فيقول لك : " لا ". فتقول له : " إنه يشبه فلاناً الذي تعرفه ".
وأنت تفعل ذلك كي تشبه مجهولاً بمعلوم ؛ لتأتي الصورة في ذهن سامعك. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم شرحاً لما أجمله القرآن : وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.. " ٧١ " ( سورة الزخرف ).
ويضيف صلى الله عليه وسلم : " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ "
وحين تدقق في هذا القول النبوي الكريم تجد الترقي كاملاً ؛ فقوله : " ما لا أذن سمعت " جاء لأنه يعلم أن مدركات العين محدودة بالنسبة لما تعلم الأذن ؛ لأن الأذن تسمع ما لا تدركه العين ؛ فهي تسمع ما يراه غيرك بالإضافة إلى ما تراه أنت.
فالأذن تسمع القريب وتسمع البعيد وتنقل صوته وتستحضره ثم تميزه، بخلاف العين فهي محدودة المسافة حسب قوة الإبصار، ومع كل فنعيم الجنة فوق كل هذا الفوق. ثم يأتي الترقي الأكبر في قوله : " ولا خطر على قلب بشر ". والخواطر أوسع من قدرة الأذن وقدرة العين ؛ فالخواطر تتخيل أشياء قد تكون غير موجودة.
وهكذا نرى عجز اللغة عن أن توجد بها ألفاظ تعبر عن معنى ما هو موجود بالجنة، ولا أحد فينا يعلم ما هي الأشياء الموجودة بالجنة، ومادام أحد منا لم ير الجنة ؛.
ومادام الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر "
فلابد أن نعلم قدر عجز اللغة عن التعبير عما في الجنة، فإذا أراد الله أن يعبر عما فيها ؛ فهو يوضح لنا بالمثل ؛ لا بالوصف، لأنه يعلم أن لغتنا تضع الألفاظ لما هو موجود في حياتنا ؛ ولا توجد ألفاظ في لغتنا تؤدي معاني ما في الجنة. ولذلك قال لنا الحق سبحانه :
مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى.. " ١٥ " ( سورة محمد ).
ومع أن الحق سبحانه يضرب مثلاً، إلا أنه خلص المثل من شوائبه التي نعرفها في الدنيا، فالمياه عندما تجري ؛ تكون حلوة ورائقة وصافية ؛ وإن ركدت فهي تأسن وتكون عطنة. ولذلك يوضح لنا الحق سبحانه أن المياه في الجنة غير آسنة ؛ وأنها تكون أنهاراً منزوعاً من مياهها ما يكدرها.
وكذلك المثل بأنهار من لبن لم يتغير طعمه. واللبن كما نعرف هو غذاء البدو ؛ فهم يحلبون الماشية، ويحتفظون بألبانها في قرب لمدة طويلة ؛ فيتغير طعم اللبن ؛ ولذلك يضرب لهم المثل بوجود أنهار من لبن لم يتغير طعمه.
وأيضاً يضرب المثل بوجود أنهار من عسل مصفى، والعسل كما نعرف كان في الأصل يأتي من النحل الذي كان يسكن الجبال قبل استئناسه ؛ ووضعه في مناحل في الحدائق. والحق سبحانه وتعالى هو القائل : وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون " ٦٨ " ( سورة النحل ).
وحين بحث علماء الحشرات عن تاريخ النحل، وجدوا أن أقدم عسل في العالم هو الذي كان موجوداً في الكهوف الجبلية ؛ ثم يليه في العمر العسل الذي جاء من خلايا النحل ؛ تلك الخلايا التي أقامها النحل بعد اسئناسه ؛ ومن بعد ذلك يأتي العسل الذي أقمنا نحن له المناحل.
وقد ميزوا العسل القديم عن المتوسط عن الجديد، بأن أحرقوا بعضاً من كل نوع من أنواع العسل، فنتج من الاحتراق عنصر الكربون ؛ ومن هذا العنصر اكتشفوا عمر كل نوع من الثلاثة.
ويوضح الحق سبحانه أن بالجنة أنهاراً من عسل مصفى، وبذلك يقدم لنا خير ما كنا نحبه من عسل الدنيا، ولكن بدون ما يكدره.
ويوضح سبحانه أيضاً أن في الجنة أنهاراً من خمر، ولكنها خمر تختلف عن خمر الدنيا ؛ فهي لا تؤثر على التكوين العضوي للعقل، كما أن خمر الدنيا ليس فيها لذة للشاربين ؛ لأنها من كحول يكوي الفم ويلسعه ؛ ولذلك تجد من يشربها وهو يسكبها في فمه لتمر بسرعة فلا يشعر بلسعها في فمه، فتذهب إلى معدته مباشرة فتلهبها.
ويختلف الحال لو كان المشروب هو شراب عصير المانجو أو البرتقال أو القصب ؛ حيث تستطيب النفس مذاق تلك الفواكه ؛ فنجد من يشربها يتمهل ليستبقى أثرها في فمه. ويقول الحق سبحانه عن خمر أنهار الجنة : لا فيها غول.. " ٤٧ " ( سورة الصافات ) أي : أنه سبحانه ينفي عن خمر أنهار الجنة كل المكدرات التي توجد في خمر الدنيا.
إذن : فساعة تسمع مثلاً عن الجنة ؛ فاعلم أنه مثل تقريبي ؛ لأنه لا يمكن أن تأتي الحقيقة، حيث لا يوجد لفظ يعبر عنها ؛ وهي لم توجد عندنا ؛ وسبحانه لا يخاطبنا إلا بما نعلم من اللغة ؛ لذلك يأتي لنا بالمثل المضروب لنأخذ منه صورة تقريبية.
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، يقول الحق سبحانه :
مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار.. " ٣٥ " ( سورة الرعد )
ونعلم أن عصب حياة العرب أيام نزول القرآن كان هو الماء ؛ ألم يطلبوا من الرسول أن يفجر لهم الأنهار تفجيراً ؟ نجد الحق سبحانه قد جاء بالتعبير القرآني عن أنهار الجنة بصورتين مختلفتين :
أولهما : تجري من تحتها الأنهار.. " ٣٥ " ( سورة الرعد )
مثلما قال في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها. ومرة يقول سبحانه :
تجري تحتها الأنهار.. " ١٠٠ " ( سورة التوبة )
والفارق بين العبارتين هو استيعاب الكمالية في النص، بمعنى أن :
تجري من تحتها الأنهار.. " ٣٥ " ( سورة الرعد )
توضح أن منابع تلك الأنهار تأتي من تحت تلك الجنة مباشرة ؛ فلا يقل الماء في تلك الأنهار أبداً.
ويقال : إن الفارق بين أنهار الدنيا وأنهار الجنة أن أنهار الدنيا عبارة عن شقوق في الأرض لها شواطئ تحتضنها ؛ أما أنهار الآخرة فهي تسير على الأرض دون شواطئ تحجزها. ونجد أنهار الخمر تسير أيضاً في الأرض، ولا تتداخل مع أنهار الماء، وكذلك أنهار اللبن، وكل ذلك من صنعة رب حكيم قادر. أما قوله :
تجري تحتها الأنهار.. " ١٠٠ " ( سورة التوبة ) أي : أن منابعها ليست من تحتها مباشرة ؛ ولكنها تأتي دون نقص من جهة أنت لا تعلمها ؛ وهو سبحانه قادر على كل شيء. ويتابع سبحانه، فيقول عن تلك الجنة : أكلها دائم.. " ٣٥ " ( سورة الرعد ) والأكل هو ما يؤكل، وسبحانه القائل : تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.. " ٢٥ " ( سورة إبراهيم )
وقوله : أكلها دائم.. " ٣٥ " ( سورة الرعد ) أي : لا ينقطع، ونعلم أن الإنسان حين يأكل ؛ فهو يفعل ذلك بهدف إشباع جوعه ؛ وبعد أن يشبع جوعه ؛ قد يطلب أن يرفع الطعام من أمامه، إلى أن يجوع، فيطلب الطعام من جديد.
ومن يحبون الطعام في حياتنا الدنيا نرى الواحد منهم وهو يقول : " أشعر ببعض الضيق لأني شبعت "، فهو في عراك بين نفس تشتهي وبين بطن لا تشبع، وكأنه كان يريد أن يستمر في تناول الطعام طوال الوقت.
وقول الحق سبحانه : أكلها دائم.. " ٣٥ " ( سورة الرعد )
شغل هذا القول الرومان الذين كانوا أصحاب إمبراطورية عظمى زلزلها الإسلام بحضارته الوليدة، وأرسل إمبراطورهم من يطلب من أحد الخلفاء إرسال رجل قادر على شرح قول الحق : أكلها دائم.. " ٣٥ " ( سورة الرعد ) فأرسل لهم أحد العلماء ؛ وسألوه : يقول قرآنكم إن أكل الجنة دائم ؛ ونحن وأنتم تعلمون أن كل شيء يؤخذ منه لابد له أن ينقص ؛ فكيف يكون أكل الجنة دائماً ؟.
قال العالم لهم : هاتوا مصباحاً. فأحضروا له المصباح وأشعله أمامهم. وقال لكل منهم : فليأت كل منكم بمصباحه. فأحضر كل منهم مصباحه. وقال لهم : فليشعل كل منكم مصباحه. وهنا سألهم : ما الذي أنقصه إشعال مصابيحكم من هذا المصباح ؟ قالوا : لا شيء. فقال لهم : هكذا ضرب الله لنا المثل بأكل الجنة.
وبطبيعة الحال كان يجب أن يلتفتوا إلى أن المصباح يعتمد في اشتعاله على الزيت المخزون فيه، ويأتيه منه المدد، أما الجنة فمددها من الله.
وهناك من قال : هل نتغوط في الجنة ؟ فرد عليه واحد من العارفين : لا. فتساءل : وأين تذهب بقايا ما نأكل من طعام الجنة ؟.
فقال العارف بالله : مثلما تذهب بقايا ما يتغذى عليه الطفل في بطن أمه ؛ حيث يحترق هذا الفائض في مشيمة الطفل ؛ والطفل في بطن أمه إنما ينمو بشكل مستمر، معتمداً على غذاء يأتيه من أمه عبر الحبل السري.
وكل تلك الأمور تقريبية تجعلنا نعبر الفجوة بين ما نشهده في حياتنا اليومية، وبين ما أعده الله للمتقين، وهو القيوم على كل أمر. وقد قال الحق سبحانه : أكلها دائم وظلها.. " ٣٥ " ( سورة الرعد ).
يعني : أن الطعام موجود ولا ينتهي وكذلك الظل. والظل حجب المضيء من مكان ؛ أو حجب مكان عن المضيء، ولا أحد يعلم أنه ستوجد هناك شمس أم لا ؛ والعقل البشري قاصر عن تخيل ذلك ؛ فهو من فعل الله، وهو سبحانه قادر على كل شيء.
وهو القائل سبحانه : والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا " ٥٧ " ( سورة النساء )
وهو القائل سبح

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير