فإنهم لَا يجدونهم، قلت: وتقدم لابنِ عرفة: في هذه الآية ما نصه قوله (وَمَا فِي الأَرْضِ) وقال في سورة يونس (أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) وفي سورة إبراهيم (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) فأجاب ابن عرفة: بأنه إنما خص الأرض لأنها المشاهدة القوية، وإلا فقد عبدوا الشِّعْرَى [... ] عبدوا الشمس لَا غير ذلك، ونفى علم الشيء على الله يستلزم عدم ذلك الشيء وفيه دليل على أن العدم غير معلوم، وفي المسألة ثلاثة مذاهب، مذهب الجمهور إلى أنه معلوم، وقيل: إنه غير معلوم، وقيل: المستحيل غير معلوم والممكن معلوم.
قوله تعالى: (أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ).
أي أم بدليل سمعي فمعناه أنكم لا تجدون دليلا عقليا على ذلك ولا سمعيا فلا مستند لكم بوجه فالدليل العقلي تقدم نفيه لقوله (أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ) وفي قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ).
قوله تعالى: (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ).
ابن عرفة: ومن زين له مكره وقد يصور دليلا يصوره به ويزوده وهو [... ] صدوا عن السبيل فليس لهم شبهة ولم يجدوا وأجاز [... ] ولا ما يستدلون به على صحة دعواهم.
قوله تعالى: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ).
إن أريد ومن يضلل الله دائما فما له من هاد بالإطلاق وإن أريد ومن يضلل الله وقتانا أي وقت كان فما له من هاد غير الله.
قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ
ابن عرفة: الظاهر أن الخبر مقدر، وفي الآية حذف مضافين والتقدير (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) فرد عليه بأنه إن أراد بالثانية جنة الآخرة فقد شبه [الشيء*] بنفسه، [ولا يصح*] أنها ضد الدنيا؛ لأن [التشبيه*] بالشيء [لَا يقوى*] قوته وهنا تشبه الأقوى بالأضعف فقال: قد يكون الفرع أقوى [**نفي المعنوي مقدم على العبادة] [... ] لا [**من قول ولا يعبد]، فأجيب: بوجود الأول أن المراد [بالشرك الرياء والكبر فالمعنى أمرت أن أعبد الله عبادة صالحة من الرياء*] ولكن هذا لَا يناسب السياق، قيل له: وعلى هذا
ابن عرفة تارة يراد [بالإنسان*] الجنس العام الباقي على عمومة فيحتاج إلى الاستثناء منه كقوله تعالى: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا)، وتارة يراد به الخصوص كهذه الآية وقوله (لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) المراد ظلم المعصية وكفار أي جاحد نعم ربه، قيل لابن عرفة: لو أراد بالمفرد المحلى بالألف واللام العموم لجاز أكرمت الرجل، الفضلاء وأجمعوا على منعه، فقال: إنما منعوه رعيا للمشاركة اللفظية.
قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا... (٣٥)
وقال في البقرة: (اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) أن آية البقرة مدنية وهذه مكية والقاعدة عنده أن اسم [... ]. قلنا إن المنزل أولا هو المدعو به أولا مع أنه لَا يلزم هذا فقد يكون المنزل أولا هو المدعو به ثانيا لأن الاسم إذا تقدم نكرة ثم أعيد فإنه يعاد معرفا مثل (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) ابن عرفة: وعادتهم يوردون هنا سؤالا وهو أن القاعدة أن يكون المبتدأ معلوما وخبره مجهولا، والبلد في قوله: (اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) أصله قبل دخول الفعل عليه مبتدأ لأنه نعت لهذا ونعت المبتدأ مبتدأ وأما خبره وفي قوله: (اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) هو مبتدأ و (بَلَدًا) خبره و (آمِنًا) نعته أو خبرا بعد خبر والقضية واحدة، قال: وأجيب بأن الشيء في نعته ليس كهو مع غيره، فهو معلوم من حيث كونه بلدا مجهولا من حيث كونه بلدا آمنا فالأول: كما نقول اجعل هذا رجلا صالحا دعوت له بالصلاح فقط، والثاني: كقولك اجعل هذا رجلا صالحا مع أنه رجل لكنك دعوت له بالصلاح تحصيل المجموع ورد بأنه يلزم عليه أن يجوز زيد العاقل مخير بزيد العاقل عن زيد مع غيره إما إذا ثبت مجرد لفظه الأول فلا يجوز.
قوله تعالى: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ).
ابن عرفة: هذا دعاء على سبيل إظهار [التذلل*] والخضوع لأنه عبادة الأصنام مستحيلة في حق النبي ﷺ إذ هو معصوم وقد قالوا: إن المستحيل عقلا لَا يجوز طلبه [كالطيران في الهواء*] وكذلك لَا يجوز للإنسان أن يقول رب اجعلني من غير خبر لأنه محال وكذلك المستحيل شرعا.
قوله تعالى: بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ... (٣٧)
الزمخشري: نفى القليل والكثير والمراد به ليس فيه بحر ولا نجم ولا ماء، ورده ابن عرفة: بأنه تقدم في الرعد أن قولك زيد ذو مال يفيد الكثرة والمبالغة، قاله عياض فى الإكمال: فيجيء الجواب فيه هنا كالجواب في قوله تعالى: (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ).
تفسير ابن عرفة
أبو عبد الله محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي
جلال الأسيوطي