وكلما هدّدهم بعذاب الدنيا قالوا له : فجئنا بهذا العذاب، وطلبوا منه إظهاره وإنزاله على سبيل الطعن وإظهار أنّ الذي يقول كلام لا أصل له نزل : ويستعجلونك ، أي : استهزاء وتكذيباً، والاستعجال طلب التعجيل، وهو تقديم الشيء قبل وقته الذي يقدر له بالسيئة ، أي : العذاب قبل الحسنة ، أي : الرحمة، وذلك أنّ مشركي مكة كانوا يقولون : اللهمّ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم.
تنبيه : قوله قبل الحسنة فيه وجهان : أحدهما : متعلق بالاستعجال ظرفاً له والثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال مقدرة من السيئة قاله أبو البقاء. وقد ، أي : والحال أنه قد خلت من قبلهم المثلات جمع مثلة بفتح الميم وضم المثلثة كصدقة وصدقات، أي : عقوبات أمثالهم من المكذبين أفلا يعتبرون بها. وإنّ ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإلا لم يترك على ظهرها دابة كما قال تعالى : ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة [ فاطر، ٤٥ ]. وقال ابن عباس : معناه لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا. وإنّ ربك لشديد العقاب للمصرين على الشرك الذين ماتوا عليه. وقال مقاتل : إنه لذو تجاوز عن شركهم في تأخير العذاب عنهم، وشديد العقاب إذا عاقب. ولما بين سبحانه وتعالى أنّ الكفار طعنوا في نبوة النبيّ صلى الله عليه وسلم بسبب طعنهم في الحشر والنشر أوّلاً، ثم طعنوا في نبوّته بسبب طعنهم في صحة ما ينذرهم به من نزول عذاب الاستئصال ثانياً،
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني