وبعد أن ذكر تكذيبهم للرسول صلى الله عليه وسلم في إنكار يوم القيامة ذكر جحودهم لعذاب الدنيا الذي أوعدهم به، وكانوا كلما هددهم بالعذاب قالوا له جئنا به وطلبوا منه إنزاله، وهذا ما أشار إليه بقوله : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ
تفسير المفردات : والمثلات : بفتح فضم، واحدها مثلة بفتح فضم، كسمرة وهي العقوبة التي تترك في المعاقب أثرا قبيحا كصلم أذن أو جدع أنف أو سمل عين. والغفر : الستر بالإمهال وتأخير العقاب إلى الآخرة، والمراد بالآية هنا الآيات الحسية كقلب عصا موسى حية وناقة صالح.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر إنكارهم لوحدانيته تعالى مع وضوح الأدلة على ذلك، من خلق السماوات بلا عمد وتسخير الشمس والقمر يجريان إلى أجل مسمى ومن مد الأرض وإلقاء الجبال الرواسي فيها إلى آخر ما ذكر من الآيات الدالة على عظيم قدرته وبديع صنعه لمن يتأمل ويتفكر في ذلك الملكوت العظيم ذكر هنا إنكارهم للبعث والنشور على وضوح طريقه وسطوع دليله قياسا على ما يرون ويشاهدون، فإن من قدر على خلق السماوات والأرض وسائر العوالم على هذا النحو الذي يحار الإنسان في الوصول إلى معرفة كنهه لا يعجز عن إعادته في خلق جديد كما قال تعالى : أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعى بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى [ الأحقاف : ٣٣ ].
الإيضاح : ويستعجلونك بالسيئة أي ويستعجلونك بالعقوبة التي هددوا بها إذا هم أصروا على الكفر استهزاء وتكذيبا كما حكى الله عنهم في قوله : وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء [ الأنفال : ٣٢ ] وفي قوله : وقالوا ربنا عجل قطنا قبل يوم الحساب [ ص : ١٦ ] وفي قوله : سأل سائل بعذاب واقع [ المعارج : ١ ].
قبل الحسنة أي قبل الثواب والسلامة من العقوبة، وكان صلى الله عليه وسلم يعدهم على الإيمان بالثواب في الآخرة وحصول النصر والظفر في الدنيا.
وقد خلت من قبلهم المثلات أي ويستعجلونك بذلك مستهزئين بإنذارك منكرين وقوع ما تنذرهم به، والحال أنه قد مضت العقوبات الفاضحة النازلة على أمثالهم من المكذبين المستهزئين، فمن أمة مسخت قردة، وأخرى أهلكت بالرجفة، وثالثة أهلكت بالخسف إلى نحو أولئك.
وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم أي وإن ربك لذو عفو وصفح عن ذنوب من تاب من عباده فتارك فضيحته بها يوم القيامة، ولولا حلمه وعفوه لعاجلهم بالعقوبة حين اكتسابها كما قال : ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة [ فاطر : ٤٥ ].
وإن ربك لشديد العقاب لمن يجترح السيئات وهو متماد في غوايته سادر في آثامه، وقد يعجل له قسطا منه في الدنيا ويكون جزاء له على ما سولت له نفسه كما يشاهد المدمنين على الخمور من اعتلال وضعف ومرض مزمن وفقر مدقع وذل وهوان بين الناس، وفي المقامرين من خراب عاجل وإفلاس في المال والذل بعد العز، وربما اقتضت حكمته أن يؤجل له ذلك إلى يوم مشهود يوم يقوم الناس لرب العالمين فيستوفى قطّه هناك نارا تكوى بها الجباه والجنوب، وتبدل الجلود غير الجلود، وقد قرن المغفرة بالعقاب في مواضع كثيرة من الكتاب الكريم ليعتدل الرجاء والخوف كقوله : إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم [ الأعراف : ١٦٧ ] وقوله : نبئ عبادي أني الغفور الرحيم ٤٩ وأن عذابي هو العذاب الأليم [ الحجر : ٤٩ -٥٠ ] إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الخوف والرجاء.
روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال : لما نزلت هذه الآية وإن ربك لذو مغفرة الخ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدا العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل واحد ".
تفسير المراغي
المراغي