ثم أردف ذلك ما يدل على كمال علمه وقدرته، وشمول قضائه وقدره ؛ تنبيهاً على أنه تعالى قادر على إنزال ما اقترحوه، وإنما لم يُنزله ؛ لعلمه بأن اقتراحهم كان عناداً لا استرشاداً. أو أن وقت الإنزال لم يحضر، فقال : الله يعلمُ ما تحملُ كلُّ أنثى هل هو ذكر أو أنثى، أو تام أو ناقص، أو حسن أو قبيح. وهو من الخمس التي اختص بها. وما تَغِيضُ الأرحامُ وما تزداد أي : ما تنقص في الجثة بمرض الجنين أو إسقاطه، وما تزداد بنمو الجنين إلى أمده أو أكثر. قال البيضاوي : مدة الحمل عندنا أربع سنين، وخمس عند مالك، وسنتان عند أبي حنيفة. رُوي أن الضحاك وُلد لسنتين، وهرم بن حيان لأربع سنين. وأعلى عدده لا حد له. قلت : يعني مع تحققه وقيل : المراد نقصان دم الحيض وزيادته. ه. وكل شيء عنده بمقدار : بقدر محدود، ووقت مخصوص، لا يجاوزه، ولا ينقص عنه، فالحق تعالى خص كل حادث بوقت مخصوص معين، وهيأ له أسباباً تسوقه إليه على ما تقتضيه حكمته.
وقد يكون واحداً ومتعدداً. وقد بعث الله في رأس هذه المائة الثالثة عشر، أربعةً، أحيا الله بهم الحقيقة، وأظهر بهم أنوار الشريعة، يمشون في الأرض بالنصيحة، ويهدون الناس إلى رب العالمين، والله ولي المتقين، وشهرتهم تُغني عن تعيينهم، وتقدم اثنان في العقود.
وقوله تعالى : الله يعلم ما تحمل كل أنثى : ما تحمل كل نفس من العلوم، وما تحمل كل روح من الأسرار. وما تغيض الأرحام، أي : القلوب، فقد تنقص أنوارها بمباشرة الأغيار، وقد تزداد بالتفرغ أو صحبة العارفين الكبار. وكل شيء عنده بمقدار، فالفتح له وقت معلوم، وحد محدود، والمراتب والمقامات مقسومة محدودة في الأزل، كل أحد يأخذ ما قُسم له. وقوله تعالى : سواء منكم من أسر القول... إلخ، فيه تحقيق المراقبة وتشديد المحاسبة على الخواطر والقلوب. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي