قوله تعالى : اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى .
لفظة ما في هذه الآية يحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف، أي يعلم الذي تحمله كل أنثى وعلى هذا فالمعنى : يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة وأنوثة، وخداج، وحسن، وقبح، وطول وقصر، وسعادة وشقاوة إلى غير ذلك من الأحوال.
وقد دلت على هذا المعنى آيات من كتاب الله، كقوله : وَيَعْلَمُ مَا في الأرْحَامِ . لأن ما فيه موصولة بلا نزاع، وكقوله : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ، وقوله : هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ [ آل عمران : ٦ ] الآية.
ويحتمل أيضاً : أن تكون لفظة ما في الآية الكريمة مصدرية، أي يعلم حمل كل أنثى بالمعنى المصدري، وقد جاءت آيات تدل أيضاً على هذا المعنى، كقوله : وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ في كِتَابٍ ، وقوله : إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ [ فصلت : ٤٧ ] الآية.
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون لها وجهان كلاهما حق، وكلاهما يشهد له قرآن، فنذكر الجميع.
وأما احتمال كون لفظة ما في هذه الآية استفهامية، فهو بعيد فيما يظهر لي، وإن قال به بعض أهل العلم، وقد دلت السنة الصحيحة على أن علم ما في الأرحام المنصوص عليه في الآيات المذكورة مما استأثر الله به دون خلقه، وذلك هو ما ثبت في صحيح البخاري من أن المراد بمفاتح الغيب في قوله تعالى : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ [ الأعراف : ٥٩ ] الخمس المذكورة في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَيّ أَرْضٍ تَمُوتُ [ لقمان : ٣٤ ]، والاحتمالان المذكوران في لفظة ما من قوله : يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ الآية، جاريان أيضاً في قوله : وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ [ لقمان : ٨ ]، فعلى كونها موصولة فيهما، فالمعنى يعلم الذي تنقصه وتزيده، وعلى كونها مصدرية، فالمعنى يعلم نقصها وزيادتها. واختلف العلماء في المراد بقوله : وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وهذه أقوالهم في الآية بواسطة نقل «صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور » : أخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ قال :«هي المرأة ترى الدم في حملها ».
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ قال :«خروج الدم » وَمَا تَزْدَادُ قال :«استمساكه ».
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ قال :«أن ترى الدم في حملها » وَمَا تَزْدَادُ قال :«في التسعة الأشهر ».
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ قال :«ما تزداد على التسعة وما تنقص من التسعة ».
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ قال :«ما دون تسعة أشهر وَمَا تَزْدَادُ فوق التسعة ».
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ يعني «السقط » وَمَا تَزْدَادُ يقول :«ما زادت في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماماً وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر ومنهن من تحمل تسعة أشهر ومنهن من تزيد في الحمل ومنهن من تنقص فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى وكل ذلك بعلمه تعالى ».
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه قال :«ما دون التسعة أشهر فهو غيض وما فوقها فهو زيادة ».
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه قال :«ما غاض الرحم بالدم يوماً إلا زاد في الحمل يوماً حتى تكمل تسعة أشهر طاهراً ».
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله : وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ قال :«السقط » وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال :«إذا رأت الدم هش الولد وإذا لم تر الدم عظم الولد » اه «من الدر المنثور في التفسير بالمأثور ».
وقيل الغيض والزيادة يرجعان إلى الولد كنقصان إصبع وغيرها وزيادة إصبع وغيرها.
وقيل الغيض : انقطاع دم الحيض وما تزداد بدم النفاس بعد الوضع.
ذكر هذين القولين القرطبي :
وقيل تغيض تشتمل على واحد وتزداد تشتمل على توأمين فأكثر.
قال مقيده عفا الله عنه : مرجع هذه الأقوال كلها إلى شيء واحد وهو أنه تعالى عالم بما تنقصه الأرحام وما تزيده لأن معنى تغيض تنقص وتزداد أي تأخذه زائداً فيشمل النقص المذكور نقص العدد ونقص العضو من الجنين ونقص جسمه إذا حاضت عليه فتقلص ونقص مدة الحمل بأن تسقطه قبل أمد حمله المعتاد، كما أن الازياد يشمل زيادة العضو وزيادة العدد وزيادة جسم الجنين إن لم تحض وهي حامل وزيادة أمد الحمل عن القدر المعتاد، والله جل وعلا يعلم ذلك كله والآية تشمله كله.
تنبيه
أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن أقل أمد الحمل وأكثره وأقل أمد الحيض وأكثر مأخوذ من طريق الاجتهاد لأن الله استأثر بعلم ذلك لقوله : اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ .
ولا يجوز أن يحكم في شيء من ذلك إلا بقدر ما أظهره الله لنا ووجد ظاهراً في النساء نادراً أو معتاداً وسنذكر إن شاء الله أقوال العلماء في أقل الحمل وأكثره، وأقل الحيض، وأكثره، ونرجح ما يظهر رجحانه بالدليل.
فنقول وبالله تعالى نستعين.
اعلم أن العلماء أجمعوا على أن أقل أمد الحمل ستة أشهر وسيأتي بيان أن القرآن دل على ذلك لأن قوله تعالى : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً [ الأحقاف : ١٥ ] إن ضممت إليه قوله تعالى وَفِصَالُهُ في عَامَيْنِ بقي عن مدة الفصال من الثلاثين شهراً لمدة الحمل ستة أشهر فدل ذلك على أنها أمد للحمل يولد فيه الجنين كاملاً كما يأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.
وقد ولد عبد الملك بن مروان لستة أشهر وهذه الأشهر الستة بالأهلة كسائر أشهر الشريعة لقوله تعالى يَسْألُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هي مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ [ البقرة : ١٨٩ ] الآية.
قال القرطبي :«ولذلك قد روي في المذهب عن بعض أصحاب مالك وأظنه في كتاب ابن حارث أنه إن نقص عن الأشهر الستة ثلاثة أيام فإن الولد يلحق لعلة نقص الأشهر وزيادتها حكاه ابن عطية اه ».
قال مقيده عفا الله عنه : الذي يظهر والله تعالى أعلم أن الشهر المعدود من أوله يعتبر على حاله من كمال أو نقصان وأن المنكسر يتمم ثلاثين، أما أكثر أمد الحمل فلم يرد في تحديده شيء من كتاب ولا سنة والعلماء مختلفون فيه وكلهم يقول بحسب ما ظهر له من أحوال النساء.
فذهب الإمام أحمد والشافعي : إلى أن أقصى أمد الحمل أربع سنين وهو إحدى الروايتين المشهورتين عن مالك والرواية المشهورة الأخرى عن مالك خمس سنين وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن أقصاه سنتان وهو رواية عن أحمد وهو مذهب الثوري وبه قالت عائشة رضي الله عنها وعن الليث ثلاث سنين وعن الزهري ست وسبع وعن محمد بن الحكم سنة لا أكثر وعن داود تسعة أشهر.
وقال ابن عبد البر هذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد والرد إلى ما عرف من أمر النساء وقال القرطبي «روى الدارقطني عن الوليد بن مسلم قال قلت لمالك بن أنس إني حدثت عن عائشة أنها قالت لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل فقال : سبحان الله من يقول هذا هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين وكانت تسمى حاملة الفيل ».
وروي أيضاً بينما مالك بن دينار يوماً جالس إذ جاءه رجل فقال :«يا أبا يحيى ادع لامرأتي حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد » فغضب مالك وأطبق المصحف ثم قال :«ما يرى هؤلاء القوم إلا أنا أنبياء » ثم قرأ ثم دعا ثم قال :«اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجه عنها وإن كان في بطنها جارية فأبدلها غلاماً فإنك تمحو وتثبت وعندك أم الكتاب » ورفع مالك يده ورفع الناس أيديهم وجاء الرسول إلى الرجل فقال أدرك امرأتك فذهب الرجل فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جعد قطط ابن أربع سنين قد استوت أسنانه ما قطعت سراره.
وروي أيضاً أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين :«إني غبت عن امرأتي سنتين فجئت وهي حبلى » فشاور عمر الناس في رجمها فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه :«يا أمير المؤمنين إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل فاتركها حتى تضع » فتركها فوضعت غلاماً قد خرجت ثنيتاه فعرف الرجل الشبه فقال :«ابني ورب الكعبة » فقال عمر :«عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر ».
وقال الضحاك :«وضعتني أمي وقد حملت بي في بطنها سنتين، فولدتني وقد خرجت سني ».
ويذكر عن مالك أنه حمل به في بطن أمه سنتان وقيل ثلاث سنين، ويقال إن محمد ابن عجلان مكث في بطن أمه ثلاث سنين فماتت به وهو يضطرب اضطراباً شديداً فشق بطنها وأخرج وقد نبتت أسنانه، وقال حماد بن سلمة إنما سمي هرم بن حيان هرماً لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين.
وذكر الغزنوي أن الضحاك ولد لسنتين وقد طلعت سنه فسمي ضحاكاً.
وعن عباد بن العوام قال :«ولدت جارة لنا لأربع سنين غلاماً شعره إلى منكبيه فمر به طير فقال له كش » اه كلام القرطبي.
قال مقيده عفا الله عنه : أظهر الأقوال دليلاً أنه لا حد لأكثر أمد الحمل وهو الرواية الثالثة عن مالك كما نقله عنه القرطبي لأن كل تحديد بزمن معين لا أصل له ولا دليل عليه وتحديد زمن بلا مستند صحيح لا يخفى سقوطه والعلم عند الله تعالى.
وأما أقل الحيض وأكثره فقد اختلف فيه العلماء أيضاً فذهب مالك إلى أن أقل الحيض بالنسبة إلى العبادة كالصوم ووجوب الغسل لا حد له بل لو نزلت من المرأة قطرة دم واحدة لكانت حيضة بالنسبة إلى العبادة، أما بالنسبة إلى الاستبراء والعدة فقيل كذلك أيضاً، والمشهور أنه يرجع في قدر ذلك للنساء العارفات بالقدر الذي يدل على براءة الرحم من الحيض قال خليل بن إسحاق في مختصره الذي قال فيه مبيناً لما به الفتوى ورجع في قدر الحيض هنا هل هو يوم أو بعضه إلى قوله للنساء أي رجع في ذلك كله النساء اه.
والظاهر أنه عند مالك من قبيل تحقيق المناط والنساء أدرى بالمناط في ذلك.
أما أكثر الحيض عند مالك فهو بالنسبة إلى الحيضة الأولى التي لم تحض قبلها نصف شهر، ثم إن تمادى عليها الدم بعد نصف الشهر فهي مستحاضة وأما المرأة التي اعتادت الحيض فأكثر مدة حيضها عنده هو زيادة ثلاثة أي
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان