ﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

ويأتي القرآن بردّ الرسل في قول الحق سبحانه :
قالت رُسُلهم أفي الله شكّ فاطر١ السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويُؤخّركم إلى أجل مسمّى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدّونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين ١٠
وقوله : أفي الله شك.. ١٠ ( إبراهيم ) هو لون من الخطاب الذي لا يترك لمن توجه إليه الكلام أن يجيب إلا كما تريد أنت.
وأنت لا تفعل ذلك إلا إذا كنت واثقا من أن من تُوجِّه إليه الكلام سيجيب –إن استحضر الحق في ذهنه- كما تريد أنت.
ولذلك لم يأت الخطاب هنا بقوله ( لا شك في الله ) وبذلك يكون الكلام خبريا، وقد يقول واحد : إن هذا كلام كاذب، ولكن على الرغم من أن المستمعين من الكفار، إلا أنه يأتي بالقضية في شكل تساؤل يستأمنهم على أنهم سوف يُديرون الكلام في رؤوسهم، وسيعثرون على الإجابة التي لا يمكن أن ينكرونها، وهي ( ليس في الله شك ).
وهكذا نجد ن القائل قد سكت عن إعلانهم الكفر أولا، وجاء لهم بالتساؤل الذي سيجيبون عليه ( ليس في الله شك )، ويأتي لهم بالدليل الذي لا يحتمل أي شك، وهو قوله تعالى :
فاطر السماوات والأرض.. ١٠ ( إبراهيم ).
والفاطر هو الذي خلق خَلْقاً على غير مثال سابق، مثلها مثل قول الحق :
بديع٢ السماوات والأرض.. ١١٧ ( البقرة ).
فلا أحد قادر على أن يخلق مثل السماوات والأرض، وهي مخلوقة على غير مثال سابق. وسبحانه هو من شاء أن يكون الإنسان سيدا لكل الكائنات المخلوقة، وأن تكون تلك الكائنات مُسخّرة لخدمته.
وقد يتخيّل الإنسان أن خلقه أكبر من خلق السماوات والأرض، لذلك ينبّهه الحق سبحانه :
لَخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. ٥٧
( غافر ).
ولو نظرت إلى الشمس وسألت نفسك : كم من الأجيال قد استمتعوا بدفئها واستفادوا منها ؟ فمن المؤكّد أنك لن تعرف عدد الأجيال، لأن الشمس مخلوقة من قبل خَلق البشر، وكل إنسان يستمتع بالشمس ويستفيد منها عدد سنوات حياته، ثم يذهب إلى الموت.
ونجد المفسر الجليل الفخر الرازي٣ يضرب المثل الذي لا يمكن أن يُنكره أحد، ويدل على الفطرة في الإيمان، ويوضّح أن الحق سبحانه لم يُمهل الإنسان إلى أن ينضج عقله ليشعر بضرورة الإيمان، ويضرب المثل بطفل صغير تسلّل، وضرب شقيقه، هنا لا بد أن يلتفت الشقيق ليكتشف من الذي ضربه، لأن الإنسان من البداية يعلم أن لا شيء يحدث إلا وله فاعل.
وهَبْ أن طفلا جاء ليجد شقيقه جالسا على كرسي، وهو يريد أن يجلس على نفس الكرسي، هنا سيقوم الطفل بشدّ وجذب أخيه من على الكرسي ليجلس هو، وكأنه اكتشف بالفطرة أن اثنين لا يمكن أن يستوعبهما حيِّز واحد.
وهكذا يتوصل الإنسان بالفطرة إلى معرفة أن هناك خالقا أوحد.
وهكذا نجد قوله الحق :
فاطر السماوات والأرض.. ١٠ ( إبراهيم ).
هو الآية الكونية الواسعة.
ويأتي من بعد ذلك بالقول :
يدعوكم ليغفر لكم ذنوبكم.. ١٠ ( إبراهيم ).
وهذا القول يدل على الرحمة والحكمة والقدرة والحنان ؛ وهو هنا يقول :
ليغفر لكم من ذنوبكم.. ١٠ ( إبراهيم ).
ولم يقل : يغفر لكم ذنوبكم، ذلك أنه يخاطب الكفار، بينما يقول سبحانه حين يخاطب المؤمنين :
يا أيها الذين آمنوا هل أدلّكم على تجارة تُنجيكم من عذاب أليم ١٠ تؤمنون بالله ورسوله وتُجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ١١ يغفر لكم ذنوبكم.. ١٢ ( الصف ).
وهكذا لا يساوي الحق سبحانه في خطابه بين المؤمنين والكافرين.
أو : أن المقصود من قوله :
ليغفر لكم من ذنوبكم.. ١٠ ( إبراهيم ).
هو غفران الكبائر، ذلك أن صغائر الذنوب إنما يغفرها أداء الفرائض والعبادات، فنحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تُغْشَ الكبائر )٤ :
ويتابع سبحانه :
ويُؤخّركم إلى أجل مُسمّى.. ١٠ ( إبراهيم ).
وكلنا نعرف أن الأجل هو الزمن المضروب والمُقرر للحدث. وإن شاء الحق سبحانه الإبادة فنجد ما يدل عليه قوله الحق :
فخسفنا٥ به وبداره الأرض.. ٨١ ( القصص ).
كما فعل مع قارون.
أو : أن قوله : إلى أجل مسمّى.. ١٠ ( إبراهيم ) مقصود به يوم القيامة.
ولكن الكفار أهل لَدَد٦ وعناد، لذلك نجد قولهم :
قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدّونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين ١٠ ( إبراهيم ).
وهكذا يعلن أن الكفر لرسلهم أنهم يُفضّلون أن يكونوا أهل تقليد للآباء، ولو أنهم فكّروا لعلموا أن التقليد لو شاع في المجتمعات لما ارتقى أحد آبائه وأجداده، فالعالم يتطور من تمرّد جيل على جيل سابق، فلماذا يُصرّ هؤلاء الكافرون على أن يحتفظوا بتقليد الآباء والأجداد ؟
وإذا كان الأبناء يتطورون في كل شيء، فلماذا يحتفظ هؤلاء الكفار بتقليد الآباء في العقائد ؟
ولا يكتفي أهل الكفر بذلك، بل يطلبون أن يأتي لهم الرسل بسلطان مبين، والسلطان يُطلق مرة على القهر على الفعل، ويكون الفاعل المقهور كارها للفعل.
ومرة يطلق على الحجة التي تُقنع بالفعل، ويكون الفاعل مُحبا لما يقدم عليه، والدين لا يمكن أن ينتشر قهرا، بل لا بد أن يُقبل الإنسان على الدين بقلبه، وذلك لا يأتي قهرا.
لذلك نجد القول الحق :
لا إكراه في الدين قد تبيّن الرّشد من الغيّ.. ٢٥٦ ( البقرة ).
ومادام الرّشد قد ظهر فالإكراه لا مجال له، لأن الذي يُكره على شيء لا يمكن له أن يعتنق ما يُكره عليه.
وإذا ما دخل الإنسان الدين فعليه أن يلتزم بما يكلّف به الدين ؛ ولذلك فالإنسان لا يمكن أن يدخل إلى الدين مُكرَها، بل لا بد أن يدخله على بصيرة.

١ أصل الفَطْر: الشق. وفطر الله الخلق يفطرهم: خلقهم وبدأهم. قال ابن عباس: ما كنت أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي أنا ابتدأت حفرها. [لسان العرب - مادة: فطر]..
٢ بدعه يبدعه: أنشأه على غير مثال سابق. وبديع السماوات والأرض. أي: مبدعهما ومنشئهما على غير مثال سابق. [القاموس القويم ١/٥٧]..
٣ هو: محمد بن عمر بن الحسن أبو عبد الله، الإمام المفسر، أوحد زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الأوائل، وهو قرشي النسب، أصله من طبرستان. يقال له (ابن الخطيب الري) رحل إلى خوارزم وما وراء النهر وخراسان. وتوفي في هراة عام ٦٠٦ هـ (الأعلام للزركلي ٦/٣١٣)..
٤ أخرجه مسلم في صحيحه (٢٣٣)، وأحمد في مسنده (٢/٤٨٤) وابن ماجة في سننه (١٠٨٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٥ خسف الله الأرض: جعلها تهبط وتغور. [القاموس القويم: ١/١٩٤]..
٦ اللدد: الخصومة الشديدة. الألد: الشديد الخصومة الجدِل. [لسان العرب - مادة: لدد]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير