قوله تعالى : وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات الآية لما شرح حال الأشقياء شرح أحوال السُّعداءِ فقال -عزَّ وجلَّ- وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ قرأ العامة " أدْخِلَ " ماضياً مبنياً للمفعول، والفاعل الله أو الملائكة.
وقرأ الحسن١ وعمرو بن عبيد :" أدخلُ " مضارعاً مستنداً للمتكلم وهو الله -تعالى- فمحل الموصول على الأولى رفع، وعلى الثانية نصبٌ.
قوله : بِإِذْنِ رَبِّهِمْ في قراءة العامة يتعلق ب " أدْخِلَ " أي : أدخلوا بأمره، وتيسيره.
ويجوز تعلقه بمحذوف على أنَّه حال، أي : ملتبسين بأمر ربهم.
وجوز أبو البقاء٢ ِأن يكون من تمام :" خَالِدينَ " يعني : أنه متعلق به، وليس بممتنع، وكذا على قراءة الشَّيخين.
فقال الزمخشريُّ : فإن قلت :" فَبِمَ يتعلَّق في القراءةِ الأخرى، وقولك : وأدخل أنا بإذن ربهم كلام غير ملتئم ؟.
قلت : الوجه في هذه القراءة أنَّه يتعلق بما بعده، أي : تحيتهم فيها سلام بإذنِ ربهم ".
ورد عليه أبو حيَّان٣ هذا بأنه لا يتقدم معمول المصدر عليه.
وقد علقه غير الزمخشريِّ ب " أدْخِلَ "، ولا تنافر في ذلك ؛ لأنَّ كلَّ أحد يعلم أنَّ المتكلم في قوله :" وأدْخِلَ " أنه هو الله -تعالى-.
وأحسن من هذين أن يتعلق بما بعده، أي : تحيتهم فيها سلامٌ بإذن ربهم ورد في هذه القراءة بمحذوف على أنَّه حال كما تقدَّم تقديره.
و " تَحِيَّتُهُمْ " مصدر مضاف لمفعوله، أي : يحييهم الله تعالى، أو ملائكته، ويجوز أن يكون مضافاً لفاعله، أي : يحيى بعضهم بعضاً.
ويعضد الأول وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم و فِيهَا [ الرعد : ٢٣، ٢٤ ] متعلق به.
فصل
اعلم أنَّ الثَّواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فأشار بقوله تعالى : وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار إلى المنفعة الخالصة وأشار بقوله : خَالِدِينَ فِيهَا إلى دوامها، وأشار إلى كونها مقرونة بالتعظيم بقوله بِإِذْنِ رَبِّهِمْ أي : بإذن الله وأمره، وبقوله -عزَّ وجلَّ- وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ [ يونس : ١٠ ] أي : أنهم يحيى بعضهم بعضاً بهذه الكلمة، أو الملائكة يحيونهم بها، كما قال تعالى : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم [ الرعد : ٢٣، ٢٤ ] والرَّب الرحيم أيضاً يحييهم [ بهذه الكلمة ]٤ سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ [ يس : ٥٨ ] والسلام مشتق من السلامة، أي : أنهم سلموا من آفات الدنيا آمنوا من أمراضها وأسقامها.
٢ ينظر: الإملاء ٢/٦٨..
٣ ينظر: البحر المحيط ٥/٤١٠..
٤ في ب: بهذا الكلام..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود