وَجُمْلَةُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مِنَ الْكَلَامِ الْمَحْكِيِّ عَنِ الشَّيْطَانِ. وَهِيَ فِي مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ، أَيْ لِأَنَّهُ لَا يدْفع عَنْكُم الْعَذَابَ دَافَعٌ فَهُوَ وَاقع بكم.
[٢٣]
[سُورَة إِبْرَاهِيم (١٤) : آيَة ٢٣]
وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣)
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً، وَهُوَ انْتِقَالٌ لِوَصْفِ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ بِمُنَاسَبَةِ ذِكْرِ حَالِ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ حَالَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ الْمَقْصُودَةِ بِالْوَصْفِ إِظْهَارًا لِتَفَاوُتِ الْأَحْوَالِ، فَلَمْ يَدْخُلِ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ فِي الْمُنَازَعَةِ وَالْمُجَادَلَةِ تَنْزِيهًا لَهُمْ عَنِ الْخَوْضِ فِي تِلْكَ الْغَمْرَةِ، مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُمْ حِينَئِذٍ فِي سَلَامَةٍ وَدَعَةٍ.
وَيَجُوزُ جَعْلُ الْوَاوِ لِلْحَالِ، أَيْ بَرَزُوا وَقَالَ الضُّعَفَاءُ وَقَالَ الْكُبَرَاءُ وَقَالَ الشَّيْطَانُ إِلَخْ وَقَدْ أُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ، فَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ فَازُوا بِنُزُلِ الْكَرَامَةِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ.
وَقَوْلُهُ: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِشَارَةٌ إِلَى الْعِنَايَةِ وَالِاهْتِمَامِ، فَهُوَ إِذَنْ أَخَصُّ مِنْ أَمْرِ الْقَضَاءِ الْعَامِّ.
وَقَوْلُهُ: تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي أَوَّلِ سُورَة يُونُس.
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
محمد الطاهر بن عاشور