والمناسبات توحي بمقابلاتها، لتكون النفس مُتشوّقة ومتقبّلة لهذا المقابل، مثل قول الحق سبحانه :
إن الأبرار لفي نعيم ١٣ ( الانفطار ).
ويأتي بعدها بالمقابل لها :
وإن الفجّار لفي جحيم ١٤ ( الانفطار ).
فكما جاء بمقابل الأشقياء، لا بد أن يفتح القلوب لتنعم بسعادة مصير وجزاء الذين سُعدوا بالإيمان.
لذلك يقول الحق سبحانه :
وأُدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيّتُهم فيها سلام ٢٣
وهنا جاء الفعل، ويمكن نسبته إلى ثلاث جهات. ولكل جهة مَلحظ، فمرة يُسند الفعل لله سبحانه، ومرة يُنسب الفعل للملائكة الذين يتلقون الأمر من الله بإدخال المؤمنين الجنة، ومرة للمؤمنين الذين يدخلون الجنة بإذن الله.
فالله أدخلهم إذنا، والملائكة الموكّلون فتحوا أبواب الجنة لهم، والمؤمنون دخلوا بالفعل.
وهكذا يكون لكل مَلحظ.
وهناك قراءة أخرى للآية توضح ذلك :
( وأُدخل١ الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة ) والمتكلم هنا هو الله. ونلحظ أن الله قال هنا :
وأُدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات.. ٢٣ ( إبراهيم ).
لكي تضم كلمة ( أدخل ) أنه سبحانه أذن بدخولهم، لأنه قال في نفس الآية :
بإذن ربهم ٢٣ ( إبراهيم ).
وأن الملائكة المكلّفين بذلك فتحوا لهم أبوابها. والمؤمنون دخلوها كل ذلك بإذن الله.
ونلحظ أن كل الكلام هنا عن الجنات، فما هي الجنات ؟ ونقول : إن الجنة في أصل اللغة هي السّتر، ومنها الجنون أي : ستر العقل، والمادة هي : الجيم والنون، والجنة تستر من فيها بما فيها من أشجار كثيرة بحيث من يمشي فيها لا يظهر، لأن أشجارها تستره.
أو : أن من يدخلها يجلس فيها ولا يراه أحد، لأن كل خير فيها لا يُلجئه أن يخرج منها.
وتُطلق الجنات على ما في الدنيا أيضا، والحق سبحانه هو القائل :
أيودّ أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب.. ٢٦٦ ( البقرة ).
ولنا أن نعرف أن الجنة غير المساكن التي في الجنة، لأن الحق سبحانه يقول :
ومساكن طيبة في جنات عدن.. ٧٢ ( التوبة ).
والجنة –ولله المثل الأعلى- هي الحديقة الواسعة، وهذا الاتساع مُوزّع على كل مرأى عين. والإنسان –بعجائب تكوينه- يُحب أن يتخصص في مكان مرة، ويحب أن ينتشر في مكان مرة أخرى، فيستأجر شقة أو يبني لنفسه بيتا مستقلا ( فيللا ). وفي البيت أو الفيللا يحب الإنسان أن تكون له حجرة خاصة لا يدخلها غيره.
والإنسان يُقيّم الأشياء على هذا الأساس، فينظر من يرغب في شراء قطعة أرض ليبنى عليها بيتا : أهي تُطل على حارة أم على شارع ؟ وهل سيستطيع أن يعلوَ بالبناء إلى عدة أدوار أم لا ؟ وهل سيخصص قطعة من الأرض كحديقة أم لا ؟
فإن كانت الأرض تُطل على الفضاء، فحساب المتر ليس بالثمن المدفوع فيه ؛ ولكن بقيمة ما يتجه من اتساع أُفق وفضاء من مزارع أو على البحر مثلا، حيث لن يتطفل عليك أحد في هذا المكان.
والجنات بهذا الشكل التقريبي، هي أماكن متسعة، وكل من يدخلها له فيها مساكن طيبة، تلك الجنات تجري من تحتها الأنهار.
ومن يدخلونها :
خالدين فيها بإذن ربهم.. ٢٣ ( إبراهيم ).
ذلك أن الإنسان يحب التنعّم، ولكن كل تنعّم في الدنيا هناك ما يُنغّصه، وهل يدوم أم لا يدوم ؟ وكل منا رأى أناسا عاشت في نعيم، ثم نُزع منها بحكم الأغيار، أو تركوه بحكم الموت.
أما جنة الله ونعيمها فالأمر مختلف، ذلك أن النعيم هناك لا يفوتك، ولا تفوته، لأنه على قدر إمكانات ربّك.
ونلحظ أن أقول الحق سبحانه :
خالدين فيها.. ٢٣ ( إبراهيم ).
يوضّح أن الخلود في الجنة دائم بإذن من الله.
ويتابع سبحانه :
تحيّتُهم فيها سلام٢٣ ( إبراهيم ).
والتحية هو ما يواجه به الإنسان أخاه إثباتا لسروره بلقائه ؛ ولذلك تأتي التحية على مقدار السرور، فمرة تكون التحية بمجرد رفع اليد دون مصافحة، وقد لا تكتفي بذلك في حالة ازدياد المعزّة التي لصاحبك عندك، فتصافحه، وقد تأخذه في أحضانك، وهكذا ترتقي في التحية، وهي إعلان السرور باللقاء.
وتحية الجنة هي السلام، لأن السلام أمن كل إنسان، سلام مع نفسك، فلا تكدّرها بحديث النفس الذي يندم على ما فات، أو الحُلم بعض قادم، فالسلام في الجنة لن تجد فيه منغّصات من الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وتنسجم مع كل ما حولك في الكون ؛ الجماد ؛ النبات ؛ البشر ؛ الملائكة.
ولذلك قال الحق سبحانه تذييلا لهذه الآية :
تحيّتُهم فيها سلام ٢٣ ( إبراهيم ).
وهذه أفضل نعمة، وهي الحياة في سلام وأمن، وبعد ذلك تدخل الملائكة عليهم مصداقا لقول الحق سبحانه :
والملائكة يدخلون عليهم٢ من كل باب٣ ٢٣ سلام عليكم بما صبرتم فنِعم عُقبى الدار ٢٤ ( الرعد ).
ثم يُلقّون السلام الأعلى من الله، وهو القائل :
سلام قولاً من رب رحيم ٥٨ ( يس ).
٢ قال سعيد بن جبير: يدخلون عليهم على مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات، معهم التحف من الله ما ليس لهم في جنات عدن. [الدر المنثور ٤/٦٣٩]..
٣ عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٢٤)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي