ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك :
قل لعبادي الذين آمنوا يُقيموا الصلاة ويُنفقوا مما رزقناهم سرًّا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال١ ٣١
و ( قل ) من الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وهل معنى هذا أن العباد الذين سيسمعون هذا الأمر سيقومون إلى الصلاة ؟ لقد سمعه بعضهم ولم يقُم إلى الصلاة.
إذن : من يُطع الأمن هو من حقّق شرط الإيمان، وعلينا أن ننظر إلى مُكتنفات كلمة ( عبادي ) فعباد الله هم الذين آمنوا، وحين يؤمنون فهم سيُعبّرون عن هذا الإيمان بالطاعة. وهكذا نفهم معنى الألفاظ لتستقيم معانيها في أساليبها.
وكل خلْق الله عبيد له، ذلك أن هناك أمورا قد أرادها الله في طريقة خلقهم، لا قدرة لهم على مخالفتها، فهو سبحانه قد قهرهم في أشياء ؛ وخيّرهم في أشياء.
ولذلك أقول دائما للمُتمرّدين على الإيمان بالله، لقد ألِفتم التمرّد على الله، ولم يأب طبع واحد منكم على رفض التمرّد، فإن كنتم صادقين مع أنفسكم عليكم أن تتمردوا على التنفس، فهو أمر لا إرادي أو تمردوا –إن استطعتم- على المرض وميعاد الموت، ولن تستطيعوا ذلك أبدا.
ولكنهم ألِفوا التمرّد على ما يمكنهم الاختيار فيه. ونسوا أن الله يريد منهم أن يلتزموا بمنهجه، فإن اختار المؤمن أن يتبع منهج الله صار من ( عباد الله )، وإن لم يخضع للمنهج فيما له فيه اختيار فهو من العبيد المقهورين على اتباع أوامر الله القهرية فقط.
وأنت حين تستقرئ كلمة ( عباد ) وكلمة ( عبيد ) في القرآن ستجد قول الحق سبحانه :
وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هَوْنا٢ وإذا خاطبهم الجاهلون٣ قالوا سلاما ٦٣ ( الفرقان ).
وتتعدد هنا صفات العباد الذين اختاروا اتباع منهج الله، وستجد كلمة العبيد وهي مُلتصقة بمن يتمردون على منهج الله، ولن تجد وصفا لهم بأنهم ( عباد ) إلا في آية واحدة، حين يخاطب الحق جل وعلا الذين أضلوا الناس، فيقول لهم :
أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلّوا السبيل ١٧
( الفرقان ).
ونلحظ أن زمن هذا الخطاب هو في اليوم الآخر ؛ حيث لا يوجد لأحد مُرتاد مع الله، وحيث يسلب الحق سبحانه كل حق الاختيار من الكائنات المختارة.
وهكذا لا يمكن لأحد أن يطعن في أن كلمة ( عباد ) إنما تستخدم في وصف الذين اختاروا عبادة الله والالتزام بمنهجه في الحياة الدنيا، ذلك أنهم قد سلّموا زِمام اختيارهم لله، وأطاعوه في أوامره ونواهيه.
ونلحظ أن قول الحق سبحانه :
قل لعبادي الذين آمنوا يُقيموا الصلاة ويُنفقوا مما رزقناهم سرًّا وعلانية.. ٣١ ( إبراهيم ).
هو أمر صادر من الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم، وأن المؤمنين في انتظار هذا الأمر ليُنفّذوه فورا، ذلك أن المؤمن يحب أن ينفّذ كل أمر يأتيه من الله.
وما دمت قد أبلغتهم يا محمد هذا الأمر فسيُنفّذونه على الفور ؛ وقد جاء قوله ( يقيموا ) محذوفا منه لام الأمر، تأكيدا على أنهم سيصعدون٤ لتنفيذ الأمر فور سماعه.
وعادة نجد أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في جَمهرة آيات القرآن٥ تأتيان متتابعتين مع بعضهما ؛ لأن إقامة الصلاة تتطلب حركة، تتطلب طاقة وتأخذ وقودا، والوقود يتطلب حركة ويأخذ زمنا، والزكاة تعني أن تُخرج بعضا من ثمرة الزمن، وبعضا من أثر الحركة في الوقت.
ونجد الكسالى عن الصلاة يقولون :( إن العمل يأخذ كل الوقت والواحد منا يحاول أن يجمع الصلوات إلى آخر النهار، ويؤدّيها جميعها قضاء ). وهم لا يلتفتون إلى أن كل فرض حين يُؤدَّى في ميعاده لن يأخذ الوقت الذي يتصورون أنه وقت كبير.
وظاهر الأمر أن الصلاة تُقلّل من ثمرة العمل، لكن الحقيقة أنها تعطي شحنة وطاقة تحفِز النفس على المزيد من إتقان العمل ؛ وكيف يُقبل المصلي على العمل بنفس راضية ؛ ذلك أنه بالصلاة قد وقف في حضرة من خلقه، ومن رزقه، ومن كفله.
ولذلك يخرج منها هادئا مُطمئنا مُنتبها راضيا، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( أرحنا بها يا بلال )٦.
والصلاة في كل فرض ؛ لن تأخذ أكثر من ربع الساعة بالوضوء، وإذا نسبت وقت الصلوات كلها إلى وقت العمل ستجد أنها تأخذ نسبة بسيطة وتعطي بأكثر مما أخذت.
وكذلك الزكاة قد تأخذ منك بعضا من ثمرة الوقت لتعطيه إلى غير القادر، ولكنها تمنحك أمانا اجتماعيا فوق ما تتخيّل.
ولذلك تجد الصلاة مرتبطة بالزكاة في آيات القرآن ببعضهما، وإقامة الصلاة هي جِماع القيم كلها ؛ وإيتاء الزكاة جِماع قيام الحركات العضلية كلها.
وتعالج الصلاة شيئا، وتعالج الزكاة شيئا آخر ؛ وكلاهما تُصلح مكونات ماهية الإنسان ؛ الروح ومقوماتها والجسد ومقوماته.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :( وجُعلت قُرة عيني في الصلاة )٧.
وحين تنظر إلى الصلاة والزكاة تجد مصالح الحياة مجتمعة وتتفرع منهما ؛ ذلك أن مصالح الحياة قد جمعها صلى الله عليه وسلم في الأركان الخمس للدين، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلا٨.
وعرفنا من قبل كيف أخذت الصلاة كل هذه الأركان مجتمعة ؛ ففيها شهادة أن لا إله إلا الله، وفيها تضحية وتزكية ببعض الوقت ؛ وفيها صوم عن كل ما تلتزم به وأنت صائم ؛ وأنت تتوجه خلالها إلى قبلة بيت الله الحرام.
وهكذا نرى كيف ترتبط حركة الحياة والقيم المُصلِحة لها بالصلاة والزكاة.
ويأمرنا الحق سبحانه في هذه الآية الكريمة بأن ننفق سرا وعلانية، وهكذا يشيع الحق الإنفاق في أمرين متقابلين ؛ فالإنفاق سرًّا كي لا يقع الإنسان فريسة المُباهاة ؛ والإنفاق عَلناً كي يعطي غيره من القادرين أُسوة حسنة، ولكي تمنع الآخرين من أن يتحدثوا عنك بلهجة فيها الحسد والغيرة مما أفاء الله عليك من خير.
ولذلك أقول : اجعل الصدقة التطوعية سرا، واجعلها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :( لا تعلم شمالك ما أعطت يمينك )٩.
واجعل الزكاة علانية حتى يعلم الناس أنك تُؤدي ما عليك من حقوق الله وتكون بالنسبة لهم أُسوة فعلية، وعظة عملية، واجعلوا من أركان الإسلام عِظة سلوكية، فنحن نرى بعضا من القرى والمدن لا يحج منها أحد، لأن القادرين فيها قد أدّوا فريضة الحج.
ونجد أن القادر الذي يبني مسجدا ؛ يعطي القادر غيره أُسوة ليبني مسجدا آخر، وما أن يأتي رمضان حتى يصوم القادرون عليه ؛ ويعطوا أسوة لصغارهم، وتمنع الاستخذاء أمام الغير، وهكذا نعلن كل تكاليف الإسلام بوضوح أمام المجتمعات كلها.
ويقول الحق سبحانه :
قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ويُنفقوا مما رزقناهم سرّاً وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خِلال ٣١ ( إبراهيم ).
ومن هنا نعلم أن هناك أعمالا يمكن أن تؤجلها، إلا الغايات التي لا توجد فيها أعواض ؛ فعليك أن تنتهز الفرصة وتنفّذها على الفور ؛ ذلك أن اليوم الآخر لن يكون فيه بيع أو شراء، ولن يستطيع أحد فيه أن يزكّي أو يصلّي ؛ فليست هناك صداقة أو شفاعة تغنيك عما كان يجب أن تقوم به في الحياة الدنيا.
والشفاعة فقط هي ما أذن له الرحمان بها١٠، ولذلك يأتي الأمر هنا بسرعة القيام بالصلاة وإيتاء الزكاة والإنفاق سرا وعلانية من قبل أن يأتي اليوم الذي لا بيع فيه ولا خِلال.
والبيع –كما نعلم- هو معارضة متقابلة، فهناك من يدفع الثمن ؛ وهناك من يأخذ السلعة. والخِلال هو المُخالّة ؛ أي : الصديق الوفيّ الذي تلزمه ويلزمك.
والشعر يُبيّن معنى كلمة ( خليل ) حين يقول :
لمّا التقينا قرّب الشوق جهده
خليلين ذابا لوعة وعِتابا
كأن خليلا في خلال خليله
تسرّب أثناء العِناق وغابا
وهذا يوضح أن المُخالة تعني أن يتخلل كلٌّ منهما الآخر.
وفي الآخرة لن تستطيع أن تشتري جنة أو تفتدي نفسك من النار ؛ ولا مُخالّة هناك بحيث يفيض عليك صديق من حسناته.
والحق سبحانه هو القائل :
الأخِلاّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ٦٧ بالزخرف ).
وبعض السطحيين يريدون أن يأخذوا على القرآن أنه أثبت الخُلّة ونفاها ؛ فهو القائل :
لا بيع فيه ولا خِلال ( إبراهيم ).
وهو القائل :
ولا خُلّة.. ٢٥٤ ( البقرة ).
ثم أثبت الخُلّة للمتقين ؛ الذين لا يُزيّن أحدهما للآخر معصية.
وهؤلاء السطحيون لا يحسنون تدبّر القرآن ؛ ذلك أن الخُلة المنفية –أو الخِلال المنفية- في الآيات هي الخِلال التي تحضّ على المعاصي ؛ وهذه هي الخِلال السيئة.
ونعلم أن البيع في الحياة الدنيا يكون مقابلة سلعة بثمن ؛ أما المُخالّة ففيها تكرُّم ممن يقدمها ؛ وهو أمر ظاهري ؛ لأن في باطنه مقايضة، فإذا قدّم لك أحد جميلا فهذا يقتضي أن ترد له الجميل ؛ أما التكرُّم المجرد فهو الذي يكون بغير سابق أو لاحق.
٢ الهوْن: الرفق واللين والتثبت. والهون: السكينة والوقار والسهولة. [لسان العرب - مادة: هون]..
٣ جهل فلان على غيره: تعدّى عليه وتسافه وقسا. والجهل: الطيش والسفه والتعدي بغير حق. والجهل أيضا: ضد العلم وهو الخلو من المعرفة. [القاموس القويم ١/١٣٤]..
٤ صدعت إلى الشيء: مِلْت إليه. [لسان العرب – مادة: صدع].
٥ جاء هذا في أكثر من ٢٧ آية من القرآن. [معجم المفهرس لألفاظ القرآن]..
٦ أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/٣٦٤)، وأبو داود في سننه (٤٩٨٥) عن رجل من الصحابة..
٧ أخرجه أحمد في مسنده (٣/١٢٨، ١٩٩، ٢٨٥)، والنسائي في سننه (٧/٦١) والحاكم في مستدركه (٢/١٦٠) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وتمامه: (حبِّب إليّ من الدنيا: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة)..
٨ أخرجه مسلم في صحيحه (١٦) كتاب الإيمان، والبخاري في صحيحه (٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما..
٩ أخرجه مسلم في صحيحه (١٠٣١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ضمن حديث (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه)..
١٠ يقول تعالى: (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمان ورضي له قولا ١٠٩} (طه) ويقول أيضا: ولا تنفع الشافعة عنده إلا لمن أذن له.. ٢٣ (سبأ). فالشفاعة ثابتة بنص القرآن بشرط إذن الله للشافع أن يشفع، وللمشفوع فيه بعلم الله فيه، أما الكافرون والمشركون والمنافقون فالشفاعة منفية عنهم..
تفسير الشعراوي
الشعراوي