ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ

ويتابع سبحانه :
وسخّر لكم الفُلك لتجري في البحر بأمره.. ٣٢ ( إبراهيم ).
والتسخير معناه قهر الشيء ليكون في خدمة شيء آخر. وتسخير الفُلك قد يثير في الذهن سؤالا : كيف يُسخّر الله الفلك، والإنسان هو الذي يصنعها ؟
ولكن لماذا لا يسأل صاحب السؤال نفسه : ومن أين نأتي بالأخشاب التي نصنع منها الألواح التي نصنع منها الفلك ؟ ثم من الذي جعل الماء سائلا ؛ لتطفو فوقه السفينة ؟ ومن الذي سيّر الرياح لتدفع السفينة ؟
كل ذلك من بديع صنع الله سبحانه.
وكلمة ( الفلك ) تأتي مرة ويراد بها الشيء الواحد ؛ وتأتي مرة ويراد بها أشياء ؛ فهي تصلح أن تكون مفردا أو جمعا.
والمثل هو قول الحق سبحانه :
والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس.. ١٦٤ ( البقرة ).
وكذلك قال في قصة نوح عليه السلام :
واصنع الفلك بأعيُننا.. ٣٧ ( هود ).
وبعض العلماء يقولون : إذا عاد ضمير التأنيث عليه ؛ تكون جمعا ؛ وإذا عاد بالتذكير تكون مفردا.
ولكني أقول : إن هذا القول غير غالب ؛ فسبحانه قد قال عن سفينة نوح وهي مفرد :
تجري بأعيننا.. ١٤ ( القمر ).
ولم يقل :( يجري بأعيننا )، وهكذا لا يكون التأنيث دليلا على الجمع.
ويتابع سبحانه :
وسخّر لكم الأنهار.. ٣٢ ( إبراهيم ).
ونفهم بطبيعة الحال أن النهر عذب الماء ؛ والبحر ماؤه مالح.
وسبحانه قد سخّر لنا كل شيء بأمره، فهو الذي خلق النهر عذب الماء، وجعل له عُمقا يسمح في بعض الأحيان بمسير الفلك ؛ وأحيانا أخرى لا يسمح العمق بذلك.
وجعل البحر عميق القاع لتمرُق فيه السفن، وكل ذلك مُسخّر بأمره، وهو القائل سبحانه :
إن يشأ يُسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره.. ٣٣ ( الشورى ).
أي : أنه سبحانه قد يشاء أن تقف الرياح ساكنة ؛ فتركد السفن في البحار والأنهار.
ومن عجائب إنباءات القرآن أن الحق سبحانه حينما تكلم عن الريح التي تُسيّر الفلك والسفن ؛ قال الشكليون والسطحيون ( لم نعد نُسيّر السفن بالرياح بل نسيّرها بالطاقة ).
ونقول : فلنقرأ قوله الحق :
ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحُكم.. ٤٦ ( الأنفال ).
و ( ريحكم ) تعني : قوتكم وطاقتكم ؛ فالمراد بالريح القوة المطلقة ؛ سواء جاءت من هواء، أو من بخار، أو من ماء.
وهذه الآية –التي نحن بصدد خواطرنا عنها –نزلت بعد أن أعلمنا الحق سبحانه بقصة السعداء من المؤمنين ؛ والأشقياء الكافرين ؛ فكانت تلك الآية بمثابة التكريم للمؤمنين الذين قدّروا نعمة الله هذه، فلما علموا بها آمنوا به سبحانه.
وكرمتهم هذه الآية لصفاء فطرتهم التي لم تُضبَّب، وتكريم للعقل الذي فكّر في الكون، ونظر فيه نظرة اعتبار وتدبُّر ليستنتج من ظواهر الكون أن هناك إلها خالقا حكيما.
وفي الآية تقريع للكافر الذي استقبل هذه النعم، ولم يسمع من أحد أنه خلقها له ؛ ولم يخلقها لنفسه ؛ ومع ذلك يكابر ويعاند ويكفر برب هذه النعم.
وأول تلك النعم خلق السماوات والأرض ؛ ثم إذا نظرت لبقية النعم فستجدها قد جاءت بعد خلق السماوات والأرض ؛ وشيء من تلك النعم متصل بالسماء، مثل السحاب، وشيء متصل بالأرض مثل الثمرات التي تخرجها.
إذن : فالاستقامة الأسلوبية موجودة بين النعمة الأولى وبين النعمة الثانية.
ثم قال بعد ذلك :
وسخّر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره.. ٣٢ ( إبراهيم ).
فما هي المناسبة التي جعلت هذا الأمر يأتي بعد هذين الأمرين ؟ لأن الفلك طريقها هو البحار ومسارها في الماء.
وقد قال الحق سبحانه أنه خلق السماوات والأرض. ومدلول الأرض ينصرف على اليابسة كما ينصرف على المائية، ومن العجيب أن المائية على سطح الكرة الأرضية تساوي ثلاثة أمثال اليابسة ؛ ورُقعة الماء بذلك تكون أوسع من رقعة التراب في الأرض.
وما دام الحق سبحانه قد قال إنه أخرج من الأرض ثمرا هي رزق لنا، فلا بد من وجود علاقة ما بين ذلك وتلك، فإذا كانت البحار تأخذ ثلاثة أرباع المساحة من الأرض ؛ فلا بد أن يكون فيها للإنسان شيء.
وقد شرح الحق سبحانه في ذلك آيات أخرى، وأوضح أنه سخّر البحر لنأكل منه لحما طريا١، وتلك مقوّمات حياة، ونستخرج منه حلية نلبسها، وذلك من ترف الحياة.
ونرى الفلك مواخر٢ فيه لنبتغي من فضله سبحانه.
وبذلك تكون هناك خيرات أخرى غير السمك والحلي، ولكنها جاءت بالإجمال لا بالتفصيل، فربما لم يكُن الناس قادرين في عصر نزول القرآن على أن يفهموا ويعرفوا كل ما في البحار من خيرات، ولا تزال الأبحاث العلمية تكشف لنا المزيد من خيرات البحار.
وحين نتأمل الآن خيرات البحار نتعجب من جمال المخلوقات التي فيه.
إذن فقوله :
لتبتغوا من فضله.. ٦٦ ( الإسراء ).
هو قول إجمالي يُلخّص وجود أشياء أخرى غير الأسماك وغير الزينة من اللؤلؤ والمرجان وغيرها، ونحن حين نرى مخلوقات أعماق البحار نتعجّب من ذلك الخلق أكثر مما نتعجّب من الخلق الذي على اليابسة، ومن خلق ما في السماء.
وهكذا يكون قوله الحق :
لتبتغوا من فضله.. ٦٦ ( الإسراء ).
من آيات الإجمال التي تُفصّلها آيات الكون، فبعض من الآيات القرآنية تفسرها الآيات الكونية. ذلك أن الحق سبحانه لو أوضح كل التفاصيل لما صدّق الناس –على عهد نزول القرآن- ذلك.
وعلى سبيل المثال حين تكلّم سبحانه عن وسائل المواصلات ؛ قال :
والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلُق ما لا تعلمون ٨ ( النحل ).
وقوله تعالى :
ويخلق ما لا تعلمون ٨ ( النحل ).
أدخل كل ما اخترعنا نحن البشر من وسائل المواصلات ؛ حتى النقل بالأزرار كالفاكس وغير ذلك.
وحينما يتكلم سبحانه عن البحار، إنما يُوضّح لنا ما يُكمل الكلام عن الأرض :
وسخّر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره.. ٣٢
( إبراهيم ).
ولو فطِن الناس لقالوا عن السفن ( جمال البحار )، ما داموا قد قالوا عن الجمل إنه ( سفينة الصحراء )، ولكنهم أخذوا بالمجهول لهم بالمعلوم لديهم.
وإياك أن تقول : أنا الذي صنعت الشراع، وأنا الذي صنعت المركب من الألواح، ذلك أنك صنعت كل ذلك بقواك المخلوقة لك من الله، وبالفكر الموهوب لك من الله، ومن المادة الموهوبة لك من الله، فكلها أشياء جاءت بأمر من الله.
وهنا يقول سبحانه :
وسخّر لكم الأنهار ٣٢ ( إبراهيم ).
والنهر ماؤه عادة يكون عذبا ليروي الأشجار التي تُنتج الثمار والأشجار عادة تحتاج ماء عذبا.
وهكذا شاء الله أن يكون ماء البحار والمحيطات مخزنا ضخما للمياه، يحتل ثلاثة أرباع مساحة الكرة الأرضية، وهي مساحة شاسعة تتيح فرصة لعمليات البُخْر، التي تُحوّل الماء بواسطة الحرارة إلى بخار يصعد إلى أعلى ويصير سحابا، فيُسقط السحاب الماء بعد أن تخلص أثناء البَخْر من الأملاح وصار ماء عذبا، تروى منه الأشجار التي تحتاجه، وتنتج لنا الثمار التي نحتاجها، وكأن الأملاح التي توجد في مياه البحار تكون لحفظها وصيانتها من العطب.
ونعلم أن معظم مياه الأنهار تكون من الأمطار، وهكذا تكون دورة الماء في الكون، مياه في البحر تسطع عليها الشمس لتُبخّرها، لتصير سحابا، ومن بعد ذلك تسقط مطرا يُغذي الأنهار، ويصب الزائد مرة أخرى في البحار.
ويتابع سبحانه :
وسخّر لكم الشمس والقمر دائبين٣ وسخّر لكم الليل والنهار ٣٣
والشمس آية نهارية، والقمر آية ليلية، والماء الذي نشربه له علاقة بالشمس والتي تُبخّره من مياه البحر، ونروي به أيضا الأرض التي تنتج لنا الثمار، أما البحار فحساب كل ما يجري فيها يتم حسب التقويم القمري.
وهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم كل ذلك وهو النبي الأمي ؟
طبعا لم يكن يعلم، بل أنزل الحق سبحانه عليه القرآن، يضم حقائق الكون كلها.
وقول الحق سبحانه عن الشمس والقمر ( دائبين )، من الدّأب، والدُّؤوب هو مرور الشيء في عمل رتيب، ونقول ( فلان دؤوب على المذاكرة ) أي : أنه يبذل جهدا مُنظّما رتيبا لتحصيل مواده الدراسية، ولا يُبدد وقته.
وكذلك الشمس والقمر اللذان أقام الحق سبحانه لهما نظاما دقيقا.
وعلى سبيل المثال نحن نحسب اليوم بأوله من الليل ثم النهار ؛ ونقسم اليوم إلى أربع وعشرين ساعة، ولذلك قال الحق سبحانه :
الشمس والقمر بحُسبان ٥ ( الرحمن ).
وقال أيضا :
والشمس والقمر حسبانا.. ٩٦ ( الأنعام ).
أي : أنك أيها الإنسان ستجعل من ظهور واختفاء أيّ منهما حسابا.
وقد جعلهما الحق سبحانه على دقة في الحركة تُيسّر علينا أن نحسب بهما الزمن، فلا اصطدام بينهما، ولكل منهما فلَك٤ خاص وحركة محسوبة بدقة فلا يصطدمان. ولا يشبهان بطبيعة الحال الساعات التي نستخدمها وتحتاج إلى ضبط.
وكلما ارتقينا في صناعة نجد اختراعاتنا فيها تُقرّبنا من عُمق الإيمان بالخالق الأعلى.
وفي نفس الآية يقول الحق سبحانه :
وسخّر٥ لكم الليل والنهار٣٣ ( إبراهيم ).
وبما أن الشمس آية نهارية، والقمر آية ليلية، والنهار يسبق الليل في الوجود بالنسبة لنا. كان مُقتضى الكلام أن يقول : سخر لكم النهار والليل.
ولكن الحق سبحانه أراد أن يُعلمنا أن القمر وهو الآية الليلية، ويسطع في الليل، والليل مخلوق للسكون، لكن هذا السكون ليس سببا لوجود الإنسان على الأرض، بل السبب هو أن يتحرك الإنسان ويستعمر الأرض ويكدّ ويكدح فيها.
لذلك جعل استهلال الشمس أولا والقمر يستمد ضوءه منها، ثم جاء بخبر الليل وخبر النهار، فكأن الله قد اكتنف هذه الآية بنورين.
النور الأول : من الشمس. والنور الثاني : من القمر، كي يعلم الإنسان أن حياته مُغلفة تغليفا يتيح له الحركة على الأرض، فلا تظننّ أيها الإنسان أن الأصل هو النوم ! ذلك أن سبحانه قد خلق النوم لترتاح، ثم تصحو لتكدح.
ونلحظ أن كلمة ( التسخير ) تأتي للأشياء الجوهرية، وتأتي للمُسخّرات أيضا، فالحيوان مسخّر لنا، وكذلك النبات والسماء مسخّرة بما فيها لنا، أما الليل والنهار فهما نتيجتان لجواهر، هما الشمس والقمر، والليل والنهار مُسبَّبان عن شيئين مباشرين هما :
الشمس والقمر.
والتسخير –كما نعلم- هم منع الاختيار. وإذا ما سخّر الحق سبحانه شيئا فلنعام أنه منضبط ولا يتأتّى فيه اختلال، ولكن الكائن غير المُسخّر هو الذي يتأتى فيه الاختلال، ذلك أنه قد يسير على جادّة الصواب، أو قد يُخطئ.
وفي مسألة التسخير والاختيار تعِب الفلاسفة في دراستها، وذهبت المذاهب الفلسفية –وخصوصا في ألمانيا- إلى مذهبين اثنين ظاهرهما التعارض، ولكنهما يسيران إلى غاية واحدة وهي تبرير الإلحاد.
وكان من المقبول أن يكون مذهب منهما يُبرر الإلحاد، وأن يبرر الآخر الإيمان، ولكن شاء فلاسفة المذهبين أن يُبرروا الإلحاد.
وقال فلاسفة أحد المذهبين : أنتم تقولون إن الكون تديره قوة قادرة حكيمة، وأن كل ما فيه منضبط بتصرفات محسوبة ودقيقة.
ولكن الواقع يقول : إن هناك بعضا من المخالفات التي نراها في الكائنات، والمثل هو تلك الشذوذات التي في الإنسان –على سبيل المثال- فهناك القصير أكثر من اللازم، وهناك الطويل أكثر من اللازم، وهناك من يولد بعين واحدة، وهناك من يولد بذراع عاجز، ولو أن القوة التي تدير الكون حكيمة لما ظهرت أمثال تلك الشذوذات.
ونرد على صاحب تلك النظرية قائلين : وإذا لم يك

١ وذلك قوله تعالى: وما يستوي البحران هذا عذاب فُرات سائغ شرابه وهذا ملح أُجاج ومن كلّ تأكلون لحما طريا وتستخرجون حِلية تلبسونها وترى الفلك في مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ١٢ (فاطر)..
٢ مخرت السفينة مَخْرا ومُخورا: شقت الماء بصدرها وسُمع لها صوت. [القاموس القويم ٢/٢١٨]..
٣ دأب على الأمر: اعتاده. ودائبين: أي مستمرين في الحركة دائبين فيها بلا انقطاع تشبيها لهما بالإنسان المجدّ. وقال تعالى: قال تزرعون سبع سنين دأبا.. ٤٧ (يوسف). أي: مداومين مجتهدين ذوي دأب. [القاموس القويم ١/٢١٩]..
٤ الفلك: المدار يسبح فيه الجرم السماوي. قال تعالى: كل في فلك يسبحون ٣٣ (الأنبياء) أي: في مدار تدور فيه. [القاموس القويم ٢/٨٩]..
٥ سخّره: أخضعه وقهره لينفذ ما يريد منه بدون إرادة ولا اختيار من المسخّر. ومنه قوله تعالى: والشمس والقمر والنجوم مُسخّرات بأمره.. ٥٤ (الأعراف) أي: مسيرات خاضعات مقهورات بأمر الله وبإرادته هو، لا بإرادتها ولا باختيارها. [القاموس القويم ١/٣٠٦]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير