وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر لتنتفعوا بهما وتستضيئوا بضوئهما. وانتصاب دائبين على الحال، والدؤوب : مرور الشيء في العمل على عادة جارية، أي : دائبين في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره. وقيل : دائبين في السير امتثالاً لأمر الله، والمعنى : يجريان إلى يوم القيامة لا يفتران ولا ينقطع سيرهما وسخر لكم الليل والنهار يتعاقبان، فالنهار لسعيكم في أمور معاشكم وما تحتاجون إليه من أمور دنياكم. والليل لتسكنوا كما قال سبحانه : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الليل والنهار لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبتَغُوا مِن فَضْلِهِ [ القصص : ٧٣ ].
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في قوله : وَجَعَلُوا للَّهِ أَندَادًا قال : أشركوا بالله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار قال : بكل فائدة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَائِبَينَ قال : دؤوبهما في طاعة الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة وَآتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ قال : من كل شيء رغبتم إليه فيه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : من كل الذي سألتموه. وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي في الشعب عن سليمان التيمي قال : إن الله أنعم على العباد على قدره، وكلفهم الشكر على قدرهم. وأخرجا أيضاً عن بكر بن عبد الله المزني قال : يا ابن آدم إن أردت أن تعلم قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك. وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء قال : من لم يعرف نعمة الله عليه إلاّ في مطعمه ومشربه، فقد قلّ عمله وحضر عذابه. وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن أبي أيوب القرشي مولى بني هاشم قال : قال داود عليه السلام :( ربّ أخبرني ما أدنى نعمتك عليّ، فأوحى إليّ : يا داود تنفس فتنفس، فقال هذا أدنى نعمتي عليك ). وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب أنه قال : اللهم اغفر لي ظلمي وكفري. فقال قائل : يا أمير المؤمنين، هذا الظلم، فما بال الكفر ؟ قال : إن الإنسان لظلوم كفار .
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني