ويقول سبحانه من بعد ذلك :
وترى المجرمين يومئذ مُقرَّنين١ في الأصفاد ٤٩
والمجرم هو من ارتكب ذنبا، وهو هنا من ارتكب ذنب القمّة، وهو الكفر بالله، ومن بعده من ارتكب الذنوب التي دون الكفر، وتراهم جميعا مجموعين بعضهم مع بعض في ( قرن ) وهو الحبل، أو القيْد الذي يُقيَّدون به.
والأصفاد جمع صَفَد، وهو القيد الذي يوضع في الرِّجل ؛ وهو مثل الخُلخال، وهناك من يقيّدون في الأصفاد أي : من أرجلهم، وهناك من يقيد بالأغلال. أي : أن توضع أيديهم في سلاسل، وتُعلّق تلك السلاسل في رقابهم أيضا.
وكل أصحاب جريمة معيّنة يجمعهم رباط واحد، ذلك أن أهل كل جريمة تجمعهم أثناء الحياة الدنيا –في الغالب- مودّة وتعاطف، أما هنا فسنجدهم متنافرين، وعلى عداء، ويعلن كل منهم الآخر، وكل منهم يناكف٢ الآخر ويضايقه، ويعلن ضيقة منه، مصداقا لقول الحق سبحانه :
الأخِلاّء٣ يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين ٦٧
( الزخرف ).
وكأن كلا منهم يُعذّب الآخر من قبل أن يذوقوا جميعا العذاب الكبير.
ولذلك نجدهم يقولون :
ربنا أرِنا اللذين أضلاّنا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين ٢٩ ( فصلت ).
ويقولون :
ربنا إنّا أطعنا سادتنا وكُبراءنا فأصلونا السبيلا ٦٧ ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيرا ٦٨
( الأحزاب ).
٢ قال ابن منظور في لسان العرب – مادة: نكف: (في نوادر الأعراب: تناكف الرجلان الكلام إذا تعاوراه) أي: رد هذا على هذا وتبادلا التقاذف بالكلام..
٣ الأخلاء: جمع خليل، وهو الصديق المخلص. [القاموس القويم ١/٢٠٨]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي