إلى ما يتحقق الإنبات فيه، وهو الحسن وعطاء، وعَمَّمَ ابنُ زيد: كل ما يوزن، فدخل فيه ما يتحقق الإنبات فيه كالحبوب والثمار وما لا يتحقق كالذهب والفضة، إلا أنه لا يجوز إطلاق الإنبات عليها [إلا] (١) إذا اجتمعت؛ لأن بعضها يتحقق الإنبات فيه، فاستعمل في غيره إذا اجتمع معه لاشتراكهما في الوزن، والجمع بينهما في اللفظ، والكلبي والفراء خصا جواهر المعادن، ولا يليق لفظ الإنبات بها ولا يحسن، قال أبو بكر: والقول الأول أثبت؛ لأنه يحمل الآية فيه على العموم، والقول الثاني يوجب اختصاصًا لم يأت به برهان، على أنه على بُعْدِه غير خارج عن الصواب، والله أعلم.
٢٠ - قوله تعالى: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قال ابن عباس: يريد من الثمار والحبوب (٢)، وذكرنا الكلام في المعايش في سورة الأعراف (٣).
وقوله تعالى: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد مما مَلَّكْتُكم وما أنتم له برازقين، إنما رِزْقهم عليّ وأنا خالقهم، وهذا قول مجاهد واختيار الزجاج وأبي بكر، روى ابن جريج عن مجاهد في قوله: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ قال: الدواب والأنعام (٤).
(٢) "تنوير المقباس" ص ٢٧٧ بنحوه.
(٣) آية: [١٠].
(٤) "تفسير مجاهد" ص ٣٤٠ بنصه عن ابن أبي نجيح، وأخرجه الطبري ١٤/ ١٧ بنصه من طريق ابن جريج وابن أبي نجيح، وورد في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٨، "تفسير الماوردي" ٣/ ١٥٤، "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٣٩١، "تفسير القرطبي" ١٠/ ١٣، أبي حيان ٥/ ٤٥٠، ابن كثير ٢/ ٦٠٣، "الدر المنثور" ٤/ ١٧٨ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
وقال الزجاج: الأجود والله أعلم أن يكون (من) هاهنا أعني في قوله: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ يراد بها العبيد والدواب والأنعام، أي: وكُفِيتُمْ مؤنة أرزاقها (١).
وقال أبو بكر: تقديره وجعلنا لكم فيها معايش وعبيدًا وإماءً يرزقهم ولا ترزقونهم.
قال أبو إسحاق: وموضع (مَنْ) نصبٌ من جهتين؛ أحديهما: العطف على مَعَايِشَ: وجعلنا لكم من لستم له برازقين، وجائز أن يكون عطفًا على تأويل (لكم)؛ لأن معنى قوله: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ: أعشناكم، المعنى: أعشناكم ومن لستم له برازقين (٢)، أي رزقناكم ومن لستم له برازقين. (وعلى هذا الوجه يجوز أن يدخل الطير والوحش في قوله: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٣) لأن الله تعالى أعاشهم كما أعاشنا، وهو قول الكلبي في قوله: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ قال: يعني الوحش والطير (٤)، ونحوه قال منصور، ولا يجوز أن يفرد الوحش والطير والدواب عن الإماء والعبيد في هذه الآية؛ لأن (من) لا يكاد يكون لغير ما يعقل، فإذا جمع مع من يعقل، غلب من يعقل بفضيلة العقل، فجاز إيقاع (من) عليهم، وهذا هو الاختيار
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٧٧ بنصه.
(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).
(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ١٧، وورد في "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٤٧ أ، الماوردي ٣/ ١٥٤، "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٣٩١، "تفسير القرطبي" ١٠/ ١٤، "الدر المنثور" ٤/ ١٧٨، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وفي كل هذه المصادر ورد منسوباً إلى منصور، وفسرها بالوحش فقط، ولم أقف عليه منسوباً إلى الكلبي إلا في "تفسر الفخر الرازي" ١٩/ ١٧٢، والظاهر أنه نقله عن الواحدي.
عند جميع النحويين (١).
ووجه قول الكلبي، حيث أفرد الوحش والطير والدواب والأنعام: أن (من) لمّا (٢) وصفت بالمعاش الذي الغالب عليه أن يُوصفَ الناس به، فيقال: الآدمي يتعيش، ولا يقال: الفرس يتعيش، جرت الهَوَامُ والوَحشُ -لمَّا وُصفت بوصف الناس- مجرى الناس في التسمية، ألا ترى أن علامة جمعها جعلت كعلامة جمع الناس في قوله: ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ [النمل: ١٨] و وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: ٤٠]، و رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف: ٤] وكان وقوع (من) على غير الناس في هذا الموضع كتصيير الواو و (٣) الياء لجمع (٤) غير الناس حين وصفه بأوصاف الناس. هذا كلام أبي بكر، ومعنى قول أبي إسحاق (٥)، وذكر الفراء أن (من) يجوز أن تكون في محل خفض على تقدير: وجعلنا لكم فيها معايش ولمن، ثم قال: وقلما تَردُّ العربُ حرفًا مخفوضًا على مخفوض قد كُنِّيَ عنه (٦)، وهو جائز على قراءة من قرأ:
انظر: "الطبري" ١٤/ ١٨.
(٢) في (ش)، (ع): (لها).
(٣) (الواو) زيادة يقضيها السياق.
(٤) في (أ)، (د): (الجميع)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو المناسب للسياق.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٧٧.
(٦) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٨٦، بنصه تقريباً، وهذه مسألة خلافية بين النحويين؛ فأجازها الكوفيون ومنحها البصريون، ولكلٍ حجته في ما ذهب إليه، والصحيح جواز ذلك؛ لورود القراءة الصحيحة بذلك، والقراءة حجة يجب أن تُخضعَ لها قواعد النحو، ويحُكم بها عليها. انظر: المسألة بالتفصيل في "الإنصاف في مسائل الخلاف" مسألة رقم [٦٥] ٢/ ٤٦٣.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي