ﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨ

قوله تعالى : ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ [ الحجر : ٣ ] الآية، أي دعْ يا محمد، الكفَّار يأخذوا حظوظهم من دنياهم، فتلك خلاقهم، ولا خلاق لهم في الآخرةِ، وَيُلْهِهِمُ يشغلهم " الأملًُ " عن الأخذ بحظِّهم من الإيمان والطَّاعة، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إذا [ وردوا ]١ القيامة، وذاقوا وبال [ صنعهم ]٢ وهذا تهديدٌ ووعيدٌ.
وقال بعض العلماء :" ذَرْهُمْ "، تهديدٌ، و سَوْفَ يَعْلَمُونَ ، تهديدٌ آخر، فمتى يهنأ العيش بين تهديدين ؟ ! والآية نسختها آية القتالِ.
قوله :" وذَرْهُمْ "، هذا الأمرُ لا يستعمل له ماضٍ إلا قليلاً ؛ استغناءً عنه ب " تَرَكَ "، بل يستعمل منه المضارع نحو : وَيَذَرُهُمْ [ الأعراف : ١٨٦ ]، ومن مجيء الماضي قوله -عليه الصلاة والسلام- " ذَرُوا الحَبشَة ما وَذَرتْكُم "، ومثله : دَعْ ويَدَعْ، ولا يقال : ودَعَ إلا نادراً، وقد قرئ : مَا وَدَّعَكَ [ الضحى : ٣ ] مخففاً ؛ وأنشدوا :[ الرمل ]
أ- سَلْ أمِيري مَا الذي غَيَّرهُ *** عَنْ وصَالِي اليَوْمَ حتَّى وَدَعهْ ؟٣
و " يَأكلُوا " مجزومٌ على جواب الأمر، وقد تقدم [ البقرة : ١٧، ٢٧٨ ] أنَّ " تَرَكَ " و " وَذرَ " يكونان بمعنى " صيَّر "، فعلى هذا يكون المفعول الثاني محذوفاً، أي : ذرهُم مهملين.
قوله تعالى : وَيُلْهِهِمُ الأمل ، يقال : لهيتُ عن الشَّيء ألهى لُهِيَّا ؛ جاء في الحديث : أنَّ ابن الزبير -رضي الله عنه- كان إذا سمع صوت الرَّعدِ لَهِيَ عن الحديث " ٤.
قال الكسائيُّ، والأصمعيُّ : كلُّ شيءٍ تركتهُ، فقد لهيتهُ ؛ وأنشد :[ الكامل ]
ب- صَرمتْ حِبالَكَ فالْهَ عَنْهَا زَيْنَبُ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي : اتركها، وأعرض عنها.

فصل في سبب شقاء العبد


قال القرطبي : أربعةٌ من الشقاءِ ؛ جمودُ العين، وقساوة القلبِ، وطُولُ الأملِ، والحرصُ على الدُّنيا.
فطُول الأملِ : داء عضالٌ، ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه، واشتدَّ علاجه، ولم يفارقه داءٌ، ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطبَّاء، ويئس من بُرئه الحكماء والعلماء.
وحقيقة الأمل : الحرص على الدنيا، والانكباب عليها، والحبُّ لها، والإعراض عن الآخرة، قال -صلوات الله وسلامه عليه- :" نَجَا أوَّلُ هذهِ الأمَّة باليَقِينِ والزُّهْدِ، ويهْلِكُ آخِرُهَا بالبُخْلِ والأمَلِ " ٥.
وقال الحسن : ما أطال عبدٌ الأمل، إلا أساء العمل٦.
١ في ب: رأوا..
٢ في أ: سفههم..
٣ البيت لسويد بن أبي اليشكري. ينظر: اللسان "ودع"، الخصائص ١/٩٩، المحتسب ٢/٣٤، الخزانة ٥/١٥٠، الإنصاف ٢/٤٨٥، شرح شواهد الشافية ٥٣ والدر المصون ٤/٢٨٧..
٤ ذكره البغوي في "تفسيره" ٣/١١..
٥ ذكره الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (٤/٤٥٤) وقال: أخرجه ابن أبي الدنيا في "قصر الأمل" من رواية ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وللحديث لفظ آخر: صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين ويهلك آخرهم بالبخل والأمل.
ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/١٧٤) وعزاه إلى أحمد في الزهد والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي في "شعب الإيمان".
وذكره الهيثمي في "المجمع" (١٠/٢٨٩) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم..

٦ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٠/٤)..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية