ﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨ

ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا هذا تهديد لهم أي : دعهم عما أنت بصدده من الأمر لهم والنهي، فهم لا يرعوون أبداً ولا يخرجون من باطل ولا يدخلون في حق، بل مرهم بما هم فيه من الاشتغال بالأكل والتمتع بزهرة الدنيا، فإنهم كالأنعام التي لا تهتم إلاّ بذلك، ولا تشتغل بغيره، والمعنى : اتركهم على ما هم عليه من الاشتغال بالأكل ونحوه من متاع الدنيا ومن إلهاء الأمل لهم عن اتباعك فسوف يعلمون عاقبة أمرهم وسوء صنيعهم. وفي هذا من التهديد والزجر ما لا يقدر قدره، يقال : ألهاه كذا أي : شغله، ولهى هو عن الشيء يلهى، أي : شغلهم الأمل عن اتباع الحق، وما زالوا في الآمال الفارغة والتمنيات الباطلة حتى أسفر الصبح لذي عينين، وانكشف الأمر ورأوا العذاب يوم القيامة، فعند ذلك يذوقون وبال ما صنعوا. والأفعال الثلاثة مجزومة على أنها جواب الأمر، وهذه الآية منسوخة بآية السيف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله : تِلْكَ ءايات الكتاب قال : التوراة والإنجيل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في تِلْكَ ءايات الكتاب قال : الكتب التي كانت قبل القرآن و قرآن مبين قال : مبين، والله هداه ورشده وخيره. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ قال : ودّ المشركون يوم بدر حين ضربت أعناقهم فعرضوا على النار أنهم كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في الآية قال : هذا في الجهنميين إذا رأوهم يخرجون من النار. وأخرج سعيد بن منصور، وهناد بن السريّ في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس قال : ما يزال الله يشفع ويدخل ويشفع ويرحم حتى يقول : من كان مسلماً فليدخل الجنة، فذلك قوله : رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ . وأخرج ابن المبارك في الزهد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في البعث عن ابن عباس وأنس أنهما تذاكرا هذه الآية رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ فقالا : هذا حيث يجمع الله من أهل الخطايا من المسلمين والمشركين في النار، فيقول المشركون : ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون، فيغضب الله لهم فيخرجهم بفضله ورحمته. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه بسند، قال السيوطي صحيح عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن ناساً من أمتي يعذبون بذنوبهم، فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون : ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم نفعكم، فلا يبقى موحد إلاّ أخرجه الله من النار ) ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ). وأخرج ابن أبي عاصم في السنّة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً نحوه. وأخرج إسحاق بن راهويه، وابن حبان، والطبراني، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً نحوه أيضاً. وأخرج هناد بن السريّ، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم عن أنس مرفوعاً نحوه أيضاً. وفي الباب أحاديث في تعيين هذا السبب في نزول هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله : ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُوا الآية قال : هؤلاء الكفرة. وأخرج أيضاً عن أبي مالك في قوله : ذَرْهُمْ قال : خلّ عنهم. وأخرج ابن جرير عن الزهري في قوله : مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأخِرُونَ قال : نرى أنه إذا حضره أجله، فإنه لا يؤخر ساعة ولا يقدّم، وأما ما لم يحضر أجله، فإن الله يؤخر ما شاء ويقدّم ما شاء. قلت : وكلام الزهري هذا لا حاصل له ولا مفاد فيه. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله : يا أَيُّهَا الذي نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر قال : القرآن. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : مَا نُنَزّلُ الملائكة إِلاَّ بالحق قال : بالرسالة والعذاب. وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ في قوله : وَمَا كَانُوا إِذًا مُّنظَرِينَ قال : وما كانوا لو نزلت الملائكة بمنظرين من أن يعذبوا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد وَإِنَّا لَهُ لحافظون قال : عندنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : فِي شِيَعِ الأولين قال : أمم الأوّلين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس في قوله : كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين قال : الشرك نسلكه في قلوب المشركين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة مثله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن الحسن مثله أيضاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين قال : وقائع الله فيمن خلا من الأمم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج في قوله : فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ قال ابن جريج : قال ابن عباس : فظلت الملائكة تعرج فنظروا إليهم لقالوا : إِنَّمَا سُكّرَتْ أبصارنا قال : قريش تقوله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في الآية عن ابن عباس أيضاً يقول : ولو فتحنا عليهم باباً من أبواب السماء فظلت الملائكة تعرج فيه يختلفون فيه ذاهبين وجائين لقال أهل الشرك : إنما أخذ أبصارنا، وشبه علينا، وإنما سحرنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد سكرت أبصارنا قال : سدّت، وأخرج ابن جرير عن قتادة نحوه قال : ومن قرأ «سكرت» مخففة، فإنه يعني : سحرت.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية