ﭑﭒﭓﭔ

و( عِضِين ) : جمع عضة. وأصله : عِضْوة، من عَضَوْتَ الشيء : فَرَّقْته، حُذفت لامه، وعوض منها هاء التأنيث، فجمع على عضين، كعزَةٍ وعزين. وقيل : أصله : عضة ؛ من عضهته : رميته بالبهتان، قال في الصحاح : عَضَهَهُ عَضْهاَ : رماه بالبهتان. وقد أعْضَهْتَ، أي : جئت بالبهتان. فهما قولان في أصل عِضة. هل هو واوي أو هائي. والموصول مع صلته نعت للمقتسمين.
الذين جعلوا القرآن عِضين ، أي : أجزاء متفرقة، وقالوا فيه أقوالاً مختلفة، فقالوا ؛ عناداً وكفراً : بعضه موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما. وإذا قلنا المقتسمين : هم كفار قريش، حيث اقتسموا أبواب مكة، فقد جعلوا القرآن عضين ؛ أجزاء متفرقة، فقد قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين، أو جعلوه بهتاناً متعدداً، على تفسير العضة بالبهت. وفي الحديث :" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة " ١ أي : الباهتة، والمستبهتة : الطالبة له.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : يقال للعابد، أو الزاهد : ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم، تتمتع بحلاوته، وبالتهجد بتلاوته، ففيه كفايتك وغناك، فلا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أصنافاً من أهل الدنيا، الراغبين فيها، المشتغلين بها عن عبادة خالقها. قيل : لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم :" إياكم والنظر في أبناء الدنيا، فإنه يقسي القلب ويورث حب الدنيا، ولا تكثروا الجلوس مع أهل الثروة، فتميلوا لزينة الدنيا ؛ فوالله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها جرعة ماء ". وقال صلى الله عليه وسلم :" من تواضع لغني لأجل غناه اقترب من النار مسيرة سنة، وذهب ثلثا دينه ". هذا إن تواضع بجسمه فقط، فإن تواضع بجسمه وقلبه ذهب دينه كله.
ويقال للعارف : ولقد آتيناك شهود المعاني، وغيبناك عن حس الأواني، حتى شهدت المتكلم بالسبع المثاني، فسمعت القرآن من مُنزله دون واسطة. وذلك بالفناء، عن الوسائط، في شهود الموسوط، حتى يفنى عن نفسه في حال قراءته.
ويقال له : لا تمدن عينيك إلى شهود الحس، ولا إلى ما متعنا به أصنافاً من أهل الحس، الواقفين مع شهود الحس ؛ فإن ذلك يحجبك عن شهود المعاني القائمة بالأواني، بل المفنية للأواني عند سطوع المعاني. ولا تحزن عليهم حيث رأيتهم منهمكين في الحس ؛ فإن قيام عالم الحكمة لا يكون إلا بوجود أهل الحس، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين بخصوصيتك، وقل : إني أنا النذير المبين من الاشتغال بالبطالة، والغفلة، حتى ينزل بأهلهما ما نزل على المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين ؛ أجزاء متفرقة ؛ فما كان فيه مما يدل على التسهيل لجواز جمع الدنيا واحتكارها والاشتغال بها أخذوا به، وما كان فيه مما يدل على الزهد فيها، والانقطاع إلى الله عنها، والتجريد عن أسبابها، رفضوه. فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون.
فاصدع، أيها العارف الواعظ بما تُؤمر ؛ من الأمر بالزهد، والانقطاع إلى الله، ولرفض كل ما يشغل عن الله، ولا تراقب أحداً في ذات الله، وأعرض عن المشركين، الذين أشركوا في محبة الله سواه، وشهدوا الأكوان موجودة مع الله، وهي ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فلا وجود لها في الحقيقة مع الله. فإن استهزؤوا بك، وصغروا أمرك، فسيكفيكهم الله. فاشتغل بالله عنهم، فلا يضيق صدرك بما فيه يخوضون. ( فسبح بحمد ربك ) أي : نزهه عن شهود السِّوى معه، حامداً الله على ما أولاك من نعمة توحيده. ( وكن من الساجدين ) لله شكراً، وقياماً برسم العبودية، أو : كن من الساجدين بقلبك في حضرة القدس، حتى يأتيك اليقين٢.
وفي الورتجبي، في قوله :( ولقد نعلم أنك يضيقُ صدرك )، قال : واسى الحقُّ حبيبَه بما سمع من أعدائه، وقال له : أنت بمرأىً منا، يضيق صدرك ؛ من لطافتك، بما يقول الجاهلون بنا في حقنا، مما لا يليق بتنزيهنا، فنزه أنت صفتنا مكان مقالتهم فينا، فإنَّ مثلك منزهنا لا غير، وكن من الساجدين حتى ترانا بوصف ما علمت منا، وتخرج من ضيق الصدر بما تشاهد من جمالنا، فإذا كنت تعايننا سقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم. هـ.
وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق



١ رواه في الفتح السماوي ٢/٧٥٢..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير