وكلمة ( عضين )تعني القطع ؛ فيقال للجزار حين يذبح الشاة أو العجل أنه قد جعله عضين. أي : فصل كل ذراع عن الآخر، وكذلك قطع الفخذ ؛ أي : أنه جعل الذبيحة قطعاً قطعاً بعد أن كانت أعضاء متصلة. وكذلك كان القرآن حينما نزل كياناً واحداً ؛ فأراد بعض من الكفار أن يقطعوه إلي أجزاء. والمقصود هنا هم جماعة من اليهود وجماعة من النصارى الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا أن يقطعوا القرآن كما فعلوا مع الكتابين اللذين نزلا على موسى، وهما التوراة ؛ والإنجيل الذي جاء به عيسى. وقد قال الحق سبحانه فيهما : ونسوا حظا مما ذكروا به.. " ١٣ "
( سورة المائدة )أي : أن بعضاً من اليهود قد نسوا بعضاً من التوراة، وكذلك نسى البعض من اتباع عيسى بعضاً من الإنجيل الذي نزل عليه. وإن وجدنا لهم العذر في النسيان ؛ فماذا عن الذي كتموه من تلك الكتب ؟ وماذا عن الذي بدلوه وحرفوه من كلمات تلك الكتب ؟ وماذا عن الذي أضافوه عليه، ولم ينزل من عند الله ؟ وقد فضح سبحانه كل ذلك في القرآن. أو : أن اليهود استقبلوا القرآن استقبال من يصدق بعضه مما لا يتعبهم، وكذبوه في البعض الذي يتعبهم، فقد كذبوا مثلاً أن كتابهم قد بشرهم بمحمد عليه الصلاة والسلام.
وهكذا نرى كيف حاولوا أن يجعلوا القرآن عضين، أي : قطعاً مفصولة عن بعضها البعض، وقد حاولوا ذلك بعد أن تبين لهم أن القرآن مؤثر وفاعل. وشاء الحق سبحانه للقرآن أن يحمل النذارة والبشارة ؛ فالرسول نذير بالقرآن المبين الواضح لمن اقتسموا الأمر بالنسبة لمحمد عليه الصلاة والسلام فقسم منهم تفرغ للاستهزاء بمحمد ومن آمنوا معه ؛ وجماعة أخرى قسمت أعضاءها ليجلسوا على أبواب مكة أثناء موسم الحج، ويستقبلون القادمين للحج من البلاد المختلفة ليحذروهم من الاستماع لمحمد عليه الصلاة والسلام. ومن هؤلاء من وصف الرسول صلى الله عليه وسم بالجنون ؛ ومنهم من وصف القرآن بأنه شعر ؛ ومنهم من وصف الرسول بأنه ساحر.
تفسير الشعراوي
الشعراوي